دولي

كيف باتت إسرائيل تنظر إلى “حل الدولتين” في ظل استمرار الحرب ضد حماس في غزة؟

أثارت الحرب بين حماس وإسرائيل هواجس المجتمع الدولي ومخاوف من احتمال انهيار مسار السلام في الشرق الأوسط والقائم بشكل خاص على “حل الدولتين”. وقال مسؤولون إسرائيلون مؤخرا إن هذا الخيار لم يعد قائما، رغم معارضة وتحذيرات أقرب حلفاء تل أبيب
تطرح الحرب الدائرة في غزة بين حركة حماس وإسرائيل تساؤلات عدة أبرزها مصير عملية السلام، خصوصا مسار حل الدولتين.

ومع إصرار تل أبيب على المضي قدما وبلا هوادة في حربها رغم الضغط الدولي عليها حتى من قبل حليفتها الأمريكية، ارتفعت حصيلة القتلى الفلسطينيين في القطاع لما يقرب 19 ألف قتيل، حسب وزارة الصحة في غزة.

ولعل القلق من انهيار مسار حل الدولتين، مرده التصريحات الأخيرة للمسؤولين الإسرائيليين وما تبعها من ردود فعل دولية غربية خصوصا. من جانبها، قالت الحكومات العربية، لا سيما مصر والأردن، منذ تفجر الحرب في السابع أكتوبر/تشرين الأول إنه يتعين ألا يُطرد الفلسطينيون من الأراضي التي يريدون إقامة دولتهم عليها في المستقبل.
هذه الضبابية عززها أيضا عدم تقديم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رؤية واضحة لخطة ما بعد الحرب التي تمت مناقشتها مع المسؤولين الأمريكيين والتي تتولى السلطة بموجبها إدارة القطاع. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قال إن بلاده لن تقبل بأن تحكم السلطة بشكلها الحالي غزة. واكتفى عباس بالقول إن “الولايات المتحدة الأمريكية تخبرنا أنها تدعم حل الدولتين وأنها ترفض أن تحتل إسرائيل قطاع غزة أو تقتطع أي جزء من أراضيه أو تكون لها سيطرة أمنية على قطاع غزة”.

ما هو مسار حل الدولتين؟

تقوم رؤية “حل الدولتين” والتي تعني وجود دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية تتعايشان بسلام، على إقامة دولة فلسطينية ضمن الحدود التي رسمت في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية في 1967. فقد تم حينها رسم الخط الأخضر الذي يحدد الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية التي يطالب الفلسطينيون بها عاصمة لدولتهم.

وفي 1988، أصدر ياسر عرفات إعلان الاستقلال الذي تحدث فيه لأول مرة عن “دولتين لشعبين”، معترفا بذلك بدولة إسرائيل وبسيادتها على 78 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية. يحظى هذا الاعتراف بتأييد منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تضم كافة الفصائل والأحزاب الفلسطينية عدا حركتي حماس والجهاد الإسلامي. حيث تعارض حماس، التي لا تعترف بإسرائيل، حل الدولتين وتدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على كامل أراضي فلسطين التاريخية.

منذ 1947، تبنت الأمم المتحدة قرارا بتقسيم فلسطين مذيلا بخرائط تحدد حدود الدولتين، فيما شكلت القدس كيانا ثالثا تحت إشراف دولي. رفض القادة العرب هذا المقترح.

وتنص اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1993 على قيام دولة فلسطينية بحلول 1999. في 30 أبريل/ نيسان 2003، عرضت اللجنة الرباعية للشرق الأوسط والتي تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، خارطة طريق تنص على إقامة دولة فلسطينية بحلول 2005، في مقابل إنهاء الانتفاضة وتجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

“يريدون دولة من النهر إلى البحر”

لكن الموقف الإسرائيلي الأخير بعد اندلاع الحرب ضد حماس، بات أكثر تشددا. ففي مقابلة بثتها قناة “سكاي نيوز” البريطانية الخميس، رفضت سفيرة إسرائيل في بريطانيا تسيبي هوتوفلي أي حل يتضمن إقامة دولة فلسطينية.

وردا على سؤال بخصوص إقامة دولة فلسطينية، أجابت هوتوفلي: “قطعا لا”. وأضافت: “إسرائيل تعرف ذلك اليوم، وعلى العالم أن يعرف ذلك الآن، السبب في فشل اتفاقات أوسلو هو أن الفلسطينيين لم يرغبوا قط في أن تكون هناك دولة إلى جانب إسرائيل”. وتابعت تسيبي هوتوفلي: “يريدون أن تكون لهم دولة من النهر إلى البحر”، أي من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.

وتثير عبارة “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”، التي كثيرا ما تتردد في المظاهرات الداعمة للفلسطينيين، الجدل، كما تتم إدانتها بانتظام باعتبارها دعوة إلى تدمير إسرائيل، أو يتم الدفاع عنها باعتبارها دعوة لإنهاء التمييز الذي يُمارس ضد الفلسطينيين. وردا على طلب التعليق على تصريحات السفيرة، أعرب رئيس الحكومة البريطانية ريشي سوناك عن عدم موافقته، مذكرا بموقف المملكة المتحدة المؤيد لحل الدولتين.
حل الدولتين بعد 7 أكتوبر مكافأة لحماس”

والجمعة، نقلت صحيفة “ذي تايمز أوف إسرائيل The Times of Israel” عن مسؤولين إسرائيليين دعوتهم سرا الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى الامتناع عن الحديث علنا عن مسار حل الدولتين. وأضافت الصحيفة أن مسؤولا أمريكيا قال إن رسالة إسرائيل هذه لا يعبر عنها فقط نتانياهو بل أعضاء آخرون في حكومة الحرب بمن فيهم بيني غانتس ويائير لابيد.

كما لفتت “ذي تايمز أوف إسرائيل” إلى تصريح مسؤول إسرائيلي آخر قال فيه إن “حل الدولتين بعد ما حدث في 7 أكتوبر/تشرين الأول هو مكافأة لحماس”. وتابع: “نتانياهو يقول ذلك بصوت عال وصريح، إسرائيل ليست متحمسة لفكرة الدولتين”. تضيف الصحيفة أيضا: “حتى قبل بدء الحرب، كان غانتس يتحدث عن حل الكيانين متجنبا استخدام مصطلح الدولة لوصف الكيان الفلسطيني الذي سيوافق عليه”.

وفي ظل الموقف المتشدد للحكومة الإسرائيلية من مسار حل الدولتين، حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن الثلاثاء نتانياهو من أن الدولة العبرية بصدد خسارة الدعم العالمي لحربها ضد حماس بسبب قصفها “العشوائي” لقطاع غزة.

وفي أشد انتقاد يوجهه لنتانياهو منذ اندلاع الحرب الحالية، قال بايدن خلال فعالية انتخابية في واشنطن إنه ينبغي على رئيس الوزراء الإسرائيلي “تغيير” موقفه بشأن حل الدولتين. ودعا بايدن نتانياهو إلى “تغيير” حكومته بغية إيجاد حل على المدى الطويل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. واعتبر أن إسرائيل التي تقصف بعنف قطاع غزة، بدأت تفقد تأييد الرأي العام العالمي.

بايدن يحذر إسرائيل من تراجع الدعم الدولي لحربها

عبر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في 3 ديسمبر/كانون الأول عن موقف بلاده من مسار حل الدولتين، قائلا إن الولايات المتحدة ستستمر في معارضة إقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية المحتلة. وصرح بلينكن أمام “جاي ستريت” (J Street) وهي مجموعة ضغط أمريكية تقدمية مساندة لإسرائيل: “سنواصل أيضا معارضة لا لبس فيها لأي أعمال تقوض آفاق حل الدولتين بما يشمل مثلا توسيع المستوطنات أو خطوات في اتجاه ضم الضفة الغربية أو تغيير في الوضع التاريخي القائم للمواقع المقدسة وعمليات الهدم والإخلاء والتحريض على العنف”.
وقال بلينكن إن بلاده تعتزم العمل عن كثب مع حكومة إسرائيل الجديدة، ومواصلة دعم حل الدولتين من أجل إنهاء الصراع المستمر منذ عقود مع الفلسطينيين. مؤكدا أن الرئيس بايدن لا يزال ملتزما “بتحقيق الهدف الدائم للدولتين، نعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين، مثل الناس في كل مكان، لهم نفس الحقوق ونفس الفرص”.

من جهتها، قالت كامالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي في 2 ديسمبر/كانون الأول إنه بمجرد انتهاء الحرب، ينبغي متابعة جهود إعادة البناء بهدف تحقيق حل الدولتين الذي تعيش فيه إسرائيل والفلسطينيون في سلام.

وأفادت وكالة أنباء الإمارات أن بايدن ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد استعرضا خلال اتصال هاتفي في 29 نوفمبر/تشرين الثاني “أهمية العمل على الوقف الدائم لإطلاق النار في قطاع غزة وضمان آليات دائمة وآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع دون عوائق”. كما شددا على “ضرورة إيجاد أفق للسلام الشامل والعادل والدائم في منطقة الشرق الأوسط على أساس حل الدولتين كونه هو السبيل لتعزيز الأمن والاستقرار والسلام الإقليمي”.

“حماس لا تريد السلام ولا حل الدولتين”

بدوره، اعتبر نائب المندوبة الأمريكية روبرت وود قبل أسبوع أن حماس لا تريد السلام ولا حل الدولتين. وقال وود: “في حين تدعم الولايات المتحدة بشدة السلام المستدام الذي يتيح للإسرائيليين والفلسطينيين العيش بأمن وسلام، لا ندعم الدعوات إلى وقف فوري لإطلاق النار”، معتبرا أن ذلك “سيؤدي فقط إلى زرع بذور الحرب المقبلة، لأن لا رغبة لحماس برؤية سلام مستدام أو حل الدولتين”.

كما أدانت فرنسا الجمعة “بشدة” قرار الدولة العبرية ترخيص بناء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية المحتلة، واعتبرت أن هذا يعرّض للخطر “إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في المستقبل”.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية آن-كلير لوجاندر إن “الاستيطان غير قانوني بموجب القانون الدولي”. وتابعت: “من خلال الموافقة على مشاريع بناء مستوطنات جديدة، تقوّض الحكومة الإسرائيلية إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلية قابلة للحياة ومتجاورة وتعرض للخطر أفق حل (قيام) الدولتين، وهو الحل الوحيد القادر على تلبية حق إسرائيل في الأمن والتطلعات المشروعة للفلسطينيين في إقامة دولة”.

“لإنهاء المعاناة يجب إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين”

كذلك، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك الأربعاء خلال مؤتمر صحافي في جنيف إن الفلسطينيين في قطاع غزة يعيشون في “رعب مطلق يتفاقم”. وتابع تورك أن وضع حقوق الإنسان في الضفة الغربية المحتلة “مقلق جدا” داعيا السلطات الإسرائيلية إلى اتخاذ خطوات فورية لإنهاء “الإفلات من العقاب على نطاق واسع” عن الانتهاكات.

وأضاف أن “السبيل الوحيد لإنهاء المعاناة المتراكمة هو إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين”. وقال تورك إنه التقى فلسطينيين وإسرائيليين يريدون مستقبلا سلميا للطرفين وحاليا لا يتم الاستماع لأصواتهم. وأضاف: “آمل أن يكونوا أقوى بكثير في المستقبل”. وخلص إلى القول “هناك شيء واضح جدا، لا يمكن أن يعود الأمر إلى ما كان عليه”.

ودعت الأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني المجتمع الدولي إلى التحرك نحو حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قائلة إن القدس يجب أن تكون عاصمة للدولتين. وقالت تاتيانا فالوفايا المديرة العامة لمكتب الأمم المتحدة في جنيف في كلمة كتبها الأمين العام أنطونيو غوتيريس: “مضى وقت طويل منذ كان علينا التحرك بطريقة حازمة ولا رجعة فيها نحو حل الدولتين، على أساس قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي”. وأضافت أن هذا يعني “تعايش إسرائيل وفلسطين جنبا إلى جنب في سلام وأمن مع أن تصبح القدس عاصمة للدولتين”.

السيسي: “لا بد من الاعتراف بالدولة الفلسطينية”

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، إن “إحياء مسار حل الدولتين فكرة استنفدت ولا بد من الاعتراف بالدولة الفلسطينية”. وأكد السيسي أنه “لا بد من تحرك بشكل مختلف وهو الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإدخالها الأمم المتحدة… هذا يعطي جدية”.

كما اتفق الاتحاد الأوروبي ودول عربية خلال اجتماع بإسبانيا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني على أهمية حل الدولتين لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وقال مسؤول السياسة الخارجية في التكتل جوزيب بوريل إن جميع أعضاء التكتل الذين حضروا “منتدى الاتحاد من أجل المتوسط” ​​في برشلونة، وكل الحضور تقريبا، اتفقوا على الحاجة إلى حل الدولتين.
بدورهم، كرر قادة دول مجموعة السبع الذي اجتمعوا الأربعاء دعمهم قيام دولة فلسطينية. وقالوا في بيان: “نحن عازمون على العمل بتنسيق وثيق مع شركائنا بهدف المساهمة في توفير الظروف الضرورية سعيا إلى حلول دائمة على المدى البعيد لغزة”، مؤكدين “الحاجة إلى العودة لعملية سلام أكثر شمولا”. وأضافوا: “نظل متمسكين بدولة فلسطينية في إطار حل (وفق مبدأ) الدولتين، يمكّن الإسرائيليين والفلسطينيين من العيش في سلام عادل ودائم وآمن”.

الصين تريد تسوية النزاع عن طريق حل الدولتين

بدوره، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي دعوات بكين لتسوية النزاع عن طريق حل الدولتين، مشددا على أن “أي ترتيب يتضمن مستقبل فلسطين يجب أن يعكس إرادة الشعب الفلسطيني”.

ودعت الصين مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 30 نوفمبر/تشرين الثاني إلى وضع جدول زمني وخارطة طريق واقعيين لحل الدولتين من أجل تحقيق تسوية “شاملة وعادلة ودائمة” للقضية الفلسطينية.

وفي 6 ديسمبر/كانون الأول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، إن بريطانيا والولايات المتحدة يمكنهما العمل من أجل التوصل إلى حل طويل الأمد قائم على الدولتين والذي يسمح لكل من إسرائيل والفلسطينيين بالتعايش في سلام.

أردوغان: “نحتاج للتركيز على حل الدولتين”

وفي تركيا، نقلت قناة “إن.تي.في” السبت 2 ديسمبر/كانون الأول عن الرئيس رجب طيب أردوغان قوله إن فرصة تحقيق السلام في غزة بعد الهدنة الإنسانية فقدت في الوقت الحالي بسبب نهج إسرائيل المتشدد. وقال أردوغان في مقابلة مع القناة: “نحن بحاجة إلى التركيز على حل الدولتين… إقصاء حماس أو تدميرها ليس احتمالا واقعيا”، مضيفا أنه لن يصنف حماس منظمة إرهابية.
هذا، وخلصت الباحثة الأمريكية الفلسطينية أماني جمال الأستاذة في جامعة برينستون استنادا إلى استطلاع للرأي أجري في الأراضي الفلسطينية وأنجز قبل يوم من هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول ، إلى أن الفلسطينيين يعزون معاناتهم إلى “الاحتلال” الإسرائيلي و”تسلط” الفصائل الفلسطينية في آن.

وأفادت الباحثة أنه قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان “80 بالمئة” من الفلسطينيين المستطلعين يتمنون تسوية دبلوماسية مع إسرائيل، مع تأييد “56 بالمئة منهم حلا على أساس دولتين، والنسبة المتبقية حلا بدولة واحدة أو كونفدرالية”.

ورأت الباحثة بأن “سكان غزة يبدون انفتاحا على حل الدولتين، على مصالحة سلمية مع إسرائيل على أساس حدود 1967”. ولفتت إلى أن “الـ20 بالمئة” المتبقين وحدهم يميلون إلى “المقاومة المسلحة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى