الحسيمة… بين واقعة فردية وأزمة نخبة سياسية تهدد الثقة في المؤسسات ونداء أخير للأحزاب

مصطفى ويلان
ان اقليم الحسيمة الذي عاش بالأمس غير البعيد على إيقاع دينامية ملحوظة على مختلف المستويات، يعيش اليوم تراجعات كبيرة وعاد إلى وضعية إنهاك واضحة لم تعد تحتمل الصمت : تراجع في الخدمات، نقص في الاستثمار، بطء في تنزيل البرامج، وضعف في مجالاته الحيوية؛ التعليم، والصحة، والشغل، والبنية التحتية ……، وتنامي شعور عام بأن العجلة توقفت ولم يعد أحد يمسك بزمام القيادة.
وسط هذا المشهد، جاءت قضية إحدى الشخصيات السياسية بالإقليم، التي صدر في حقها حكم بالحبس النافذ بسبب إساءتها لسمعة زميلته في نفس الحزب، لتفجر النقاش ، فما وقع لتلك المرأة وأسرتها مؤلم ومرفوض أخلاقياً ومجتمعياً، وهو سلوك فردي لا يمكن تبريره. لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن هذا السلوك، بكل ما فيه من إساءة، يظل أقل خطورة من الضرر الكبير الناتج عن تقاعس النخبة السياسية الصورية التي تمثل الإقليم داخل البرلمان، والمؤسسات المنتخبة. فالإساءة الفردية تبقى محدودة، أما الإهمال الجماعي لشأن الإقليم فهو يمس مجتمعاً بأكمله.
قالمشكلة اليوم ليست حادثة فردية، بل نخبة سياسية ريفية منهكة ومكررة الوجوه، لا تضيف شيئاً، ولا تمتلك الجرأة ولا القدرة على التفاعل والترافع. ممثلون انفصلوا عمليا عن هموم الساكنة، وانشغلوا — في نظر الناس — بمنافع المواقع بدل خدمة الإقليم. وهكذا تركت الحسيمة بلا صوت قوي، وبلا مبادرة، وبلا أفق واضح.
فهذا الفراغ التمثيلي، وهذه اللامبالاة تجاه قضايا الإقليم، ليست مجرد أخطاء عابرة؛ إنها جريمة معنوية في حق الساكنة بأكملها، وإفراغ ممنهج للعمل السياسي والحزبي من روحه النبيلة، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى هياكل بلا مضمون، وهدم متواصل لما تبقى من الثقة في العمل العام. والثقة حين تضرب في العمق، تصاب الديمقراطية نفسها في مقتل.
هذا وان الوضع غير المسبوق بإقليم الحسيمة يسائل المشهد الحزبي، ويدعو بشكل صريح الأحزاب الممثلة عن الإقليم في البرلمان بخاصة، وباقي المؤسسات المنتخبة عموما : بان تعيد النظر في اختياراتها بالحسيمة. حتى تكون في مستوى المرحلة. فالإقليم بات بحاجة ماسة إلى كفاءات حقيقية، لا إلى إعادة تدوير نفس الأسماء بنفس الإيقاع ، ونفس النتائج. فالدروس واضحة، والرسائل الاجتماعية أقوى من أن تتجاهل ، والتجديد لم يعد خيارا سياسيا، بل ضرورة وجودية للحياة العامة.
وفي نفس الوقت هي مدعوة إلى فهم والتقاط الرسائل العميقة التي حملها الخطاب الملكي حول “جيل جديد من المشاريع”. فمثل هذه المشاريع الكبرى لا يمكن أن تقترح او تنفذ بكائنات -تسمي نفسها قسرا ب بنخبة – متعبة ومنفصلة، أو مكررة الوجوه ومستنفذة – تلك الرسائل تحيل ضمنياً — وبوضوح لمن أراد أن يفهم — إلى الحاجة لجيل جديد من النخب التي من شأنها ان تشتغل بعقلية الخدمة لا الامتياز، بالمبادرة لا الانتظار، وبالارتباط اليومي بالمواطن، لا بالظهور الظرفي في الانتخابات.
فماذا ستنتظر الساكنة من وجوه باهتة وقد استهلكت ولم تقدم قيمة مضافة. في الوقت الذي كانت تأمل في من يمثلها بجرأة ومسؤولية، من يتواصل معها ولا يختفي، من يدافع عن مصالح الإقليم داخل البرلمان والإدارة، لا من يحول التمثيلية إلى لقب بلا مضمون. فالإقليم بات بحاجة إلى نفس جديد، وإلى نخبة حقيقية مرتبطة بالأرض والناس، لا مجرد أسماء عابرة في لوائح الانتخابات.
هذه صرخة إقليم يرفض أن يدار بالصدفة. ويريد سياسة في مستوى تطلعاته، لا شعارات ترفع في الحملات، وتنسى بعدها. والتاريخ لا يرحم من فوت الفرص عندما كانت الطريق ما تزال مفتوحة للإصلاح.



