السلطة الرابعة

رئيس التحرير د .عزت الجمال يكتب: إيران على حافة النار… والعالم أمام لحظة قد تغيّر شكل التاريخ


الشرق الأوسط لا يعيش توترًا عابرًا، بل يقف أمام لحظة فاصلة قد تعيد رسم موازين القوى لعقود طويلة. التصعيد السياسي، لغة التهديد المتبادلة، والتحركات العسكرية المتسارعة كلها تشير إلى أن المواجهة مع إيران لم تعد مجرد احتمال بعيد، بل سيناريو يُناقش بجدية خلف أبواب مغلقة في عواصم القرار.
لكن الخطأ القاتل هو الاعتقاد أن أي حرب قادمة يمكن احتواؤها أو إبقاؤها ضمن حدود ضيقة. الصدام مع إيران — إن وقع — لن يكون معركة تقليدية، بل زلزالًا جيوسياسيًا واسع التأثير.
إيران ليست هدفًا عسكريًا فقط… بل عقدة في صراع دولي
منذ الثورة الإسلامية، تعيش إيران في حالة مواجهة مستمرة مع الولايات المتحدة وحلفائها. لم يكن الصراع يومًا محصورًا في برنامج نووي أو سلاح صاروخي، بل في موقع إيران داخل معادلة النفوذ الإقليمي.

إيران تمثل قوة ترفض الانضواء في النظام الدولي بالشروط الغربية، وتدعم أطرافًا تناهض النفوذ الأمريكي في أكثر من ساحة. لهذا تعرضت لعقوبات خانقة، عزل سياسي، وضغوط استراتيجية متواصلة.
لكن الحقيقة الأعمق هي أن الصراع مع إيران لم يعد صراعًا على سلوك دولة، بل على شكل التوازنات الإقليمية ومن يملك قرار المنطقة.
حرب إيران لن تشبه أي حرب سابقة
أي مواجهة واسعة مع طهران لن تكون ضربة خاطفة تنتهي خلال أيام.
إيران تمتلك:
عمقًا جغرافيًا كبيرًا
قدرات صاروخية متقدمة
أدوات ردع غير تقليدية
شبكة نفوذ إقليمية قادرة على فتح جبهات متعددة

وهذا يعني أن أي حرب لن تبقى داخل حدودها، بل ستمتد إلى قواعد عسكرية، ممرات بحرية، وأسواق طاقة. أي أن التأثير سيكون إقليميًا ودوليًا حتى لو بدأت المواجهة بضربة محدودة.
القلق الحقيقي داخل بعض الدوائر العسكرية الغربية ليس من بدء الحرب… بل من العجز عن التحكم في مسارها بعد اندلاعها.
السيناريو الأخطر: كسر الخطوط النووية.
أخطر ما قد يحمله التصعيد هو احتمال الانزلاق إلى مستوى جديد من الردع، حيث يخرج الملف النووي من الإطار السياسي إلى أداة ضغط عسكري مباشر.
لا يعني ذلك بالضرورة استخدام سلاح نووي، لكن مجرد إدخال المواد النووية المخصبة في سياق عسكري أو تهديد استراتيجي مباشر سيُعتبر عالميًا كسرًا لخط أحمر تاريخي.

إذا حدث ذلك، فالعالم سيدخل مرحلة:
استنفار دولي غير مسبوق
ضغوط سياسية هائلة
سباق تسلح إقليمي
تدخلات أوسع من قوى كبرى
بمعنى آخر، أي اقتراب من هذا الخط سيحوّل المواجهة من حرب إقليمية إلى أزمة دولية كبرى.
من طهران إلى أوكرانيا… الترابط الذي لا يُقال علنًا
إضعاف إيران جذريًا لن يؤثر على الشرق الأوسط فقط، بل على ميزان القوى الدولي.
إيران تُعد جزءًا من شبكة التوازن التي تقف في وجه الهيمنة الغربية في أكثر من ساحة. تحييدها أو إنهاكها سيؤثر على حسابات موسكو وبكين، وعلى توازنات تمتد حتى الحرب في أوكرانيا.
وهكذا تتحول المواجهة مع طهران من صراع إقليمي إلى حلقة في صراع دولي أوسع على شكل النظام العالمي القادم.

واشنطن بين القوة والعواقب
الولايات المتحدة تملك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكن المشكلة ليست في القدرة على الضرب، بل في السيطرة على النتائج.
تجارب العقود الماضية أثبتت أن إسقاط التوازن أسهل بكثير من بناء استقرار جديد.
أي ضربة واسعة لإيران قد تحقق هدفًا تكتيكيًا، لكنها قد تفتح أبوابًا لفوضى استراتيجية طويلة:
اضطراب في أسواق الطاقة،
توتر بحري،
تصاعد جبهات غير مباشرة،
وتوسّع في الاستقطاب الدولي.
الصين وروسيا… الحسابات الصامتة
القوى الكبرى الأخرى لا تقف موقف المتفرج.
روسيا ترى في إيران شريكًا في موازنة الضغط الغربي.
الصين تنظر إلى المنطقة باعتبارها شريان طاقة وممرًا استراتيجيًا لمشاريعها العالمية.

لا أحد منهما يريد حربًا شاملة، لكن في الوقت نفسه لا يرغب في رؤية إيران تنهار بالكامل داخل الفلك الغربي. هذا التعقيد يجعل أي مواجهة محفوفة باحتمال تدويل غير مباشر للصراع.
الشعوب… الخاسر الدائم
وسط هذه الحسابات الكبرى، تبقى الحقيقة الأبسط والأكثر إيلامًا:
الشعوب هي التي تدفع الثمن.
أي حرب واسعة جديدة تعني:
موجات لجوء جديدة
اقتصادات منهكة
أجيال تنشأ في ظل الخوف وعدم الاستقرار
الناس في طهران، بغداد، بيروت، دمشق، وغزة لا يبحثون عن معارك كبرى، بل عن حياة طبيعية، استقرار، وفرص للمستقبل.
الخوف الأكبر: ماذا لو سقطت إيران؟
بعيدًا عن لغة السلاح، هناك سؤال يفرض نفسه على صناع القرار:
إذا انهارت إيران أو تعرّضت لتغيير جذري بالقوة، هل سيكون الأمر مجرد تحول سياسي… أم بداية إعادة تشكيل أوسع لهوية وتوازنات المنطقة؟
القلق ليس عاطفيًا فقط، بل استراتيجي:
انهيار إيران سيخلق فراغًا استراتيجيًا واسعًا
سيفتح الباب أمام تدخلات متعددة في المنطقة
قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ بشكل غير متوازن
التاريخ يُظهر أن سقوط دولة مركزية في المنطقة لا يولّد استقرارًا، بل غالبًا فوضى طويلة، تؤثر على دول الخليج، العراق، سوريا، وحتى ملفات فلسطين والقدس.
الصراع على النفوذ لا على العقيدة
من المهم التمييز بين الخطاب الديني والواقع الجيوسياسي. القوى الكبرى تتحرك وفق مصالح استراتيجية: الطاقة، الممرات، التوازن العسكري.
استخدام الطابع الديني للخطاب السياسي يُعطي أحيانًا شعورًا بالعداء الطائفي، لكنه لا يعكس الواقع الدولي: الصراع يدور حول النفوذ، الموارد، وقيادة المنطقة.

القدس وفلسطين… في قلب الوجدان
أي تغير كبير في ميزان القوى الإقليمي قد يؤثر على القدس وفلسطين، وهما في قلب الوعي العربي والإسلامي. المخاوف من ضياع الحقوق التاريخية أو تغيّر الوضع القائم في الأماكن المقدسة تزيد من حساسية أي تحولات كبرى.
بين منطق القوة ومنطق الحكمة
القوة العسكرية قد تفرض وقائع، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا.
والحروب التي تبدأ بثقة مفرطة كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها أحد.
المنطقة اليوم لا تحتاج استعراضًا جديدًا للقوة،
بل تحتاج عقلًا باردًا يمنع الانزلاق إلى مواجهة قد تعيد إشعال الشرق الأوسط كله.
الخلاصة: لحظة قرار تاريخي
المواجهة مع إيران، خصوصًا إذا دخل الملف النووي في الحسابات، لن تكون مجرد صدام بين دولتين، بل نقطة تحول قد تعيد تشكيل الأمن الإقليمي والعالمي معًا.

التحدي الحقيقي أمام القادة اليوم ليس في القدرة على إشعال الحرب،
بل في القدرة على تجنب حرب يعرف الجميع كيف تبدأ… ولا أحد يعرف كيف تنتهي.
الشرق الأوسط يقف على حافة طريقين:
طريق التصعيد المفتوح
طريق التوازن الصعب الذي يمنح الشعوب فرصة للحياة
والفرق بين الطريقين… قرار.

المواجهة مع إيران، خصوصًا مع احتمال دخول الملف النووي في الحسابات، ليست مجرد صدام بين دولتين، بل نقطة تحول يمكن أن تعيد رسم الأمن الإقليمي والعالمي معًا.
التحدي الحقيقي أمام القادة اليوم: إيقاف الانزلاق نحو حرب يعرف الجميع كيف تبدأ، ولا أحد يعرف كيف تنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى