صحة

كيف يقود الشغف الكروي إلى أمراض دماغية صامتة؟

لم يعد الخطر الذي يتهدد لاعبي كرة القدم ولاعبي كرة القدم الأمريكية مجرّد افتراض طبي، بل أصبح حقيقة علمية مدعومة بأدلة متراكمة: ضربات الرأس المتكررة ترفع بشكل كبير احتمال الإصابة بالخرف، ومرض ألزهايمر، وباركنسون، واعتلال الدماغ الرضحي المزمن، وهو أحد أخطر أمراض الدماغ التنكسية المرتبطة بالرياضة الاحتكاكية.
ورغم أن متعة تسجيل هدف برأسية حاسمة أو صدّ هجمة جسدية في كرة القدم الأمريكية تُعد من أجمل لحظات الرياضة، إلا أن الثمن قد يُدفع بعد عقود، عندما يبدأ الدماغ في الانهيار بصمت.
قرن من التحذيرات… والعلم يتأخر
منذ سنة 1928، لاحظ علماء الأعصاب ما كان يُعرف بين الملاكمين باسم “الملاكم المترنح”، وهي حالة من فقدان التوازن والتدهور الذهني نتيجة الضربات المتكررة على الرأس. لاحقاً، تم تصنيف هذه الحالة كنوع من الخرف مرتبط بالإصابات الدماغية.
لكن الاعتقاد السائد آنذاك كان أن المشكلة تخص الملاكمة فقط، قبل أن تكشف حالات لاعبي كرة القدم والرجبي وكرة القدم الأمريكية أن الخطر أوسع بكثير.
ففي بريطانيا، توفي نجم المنتخب الإنجليزي جيف أستول بالخرف المبكر، وفي الولايات المتحدة توفي أسطورة كرة القدم الأمريكية مايك ويبستر بعد تدهور إدراكي حاد. الفحوصات الدماغية بعد الوفاة كشفت إصابتهما باعتلال الدماغ الرضحي المزمن (CTE)، وهو مرض لا يُشخَّص غالباً إلا بعد الموت.
مرض خفي يتراكم داخل الدماغ
اعتلال الدماغ الرضحي المزمن يتميز بتراكم بروتين غير طبيعي يسمى “تاو” داخل الدماغ، يؤدي إلى تدمير الخلايا العصبية تدريجياً. ويؤكد خبراء الأعصاب أن هذا المرض لا يُشاهد تقريباً إلا عند الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات متكررة في الرأس.
دراسات جامعة بوسطن على أدمغة لاعبي دوري كرة القدم الأمريكية كشفت أن أكثر من 90% من اللاعبين الذين خضعوا للفحص بعد الوفاة كانوا مصابين بالمرض، وهي نسبة صادمة تعكس حجم الخطر، رغم أنها لا تمثل عموم اللاعبين بسبب تحيز العيّنة.
كرة القدم… خطر صامت
في دراسة واسعة أجريت على نحو 8,000 لاعب كرة قدم محترف في اسكتلندا، تبيّن أن هؤلاء اللاعبين كانوا:
أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر 5 مرات
أكثر عرضة للإصابة بمرض العصبون الحركي 4 مرات
أكثر عرضة للإصابة بباركنسون مرتين
وأكثر عرضة للوفاة بأمراض عصبية بـ 3.5 مرات مقارنة بعامة السكان
والخطر يرتفع بشكل خاص لدى المدافعين، الذين يضربون الكرة بالرأس بشكل متكرر، بينما يكون حراس المرمى أقل عرضة.
لماذا تُدمّر ضربة كرة صغيرة الدماغ؟
الكرة نفسها ليست المشكلة، بل القوة التي تنقلها إلى داخل الجمجمة.
عند ضرب الكرة بالرأس، لا يتوقف التأثير عند الجلد والعظام، بل ينتقل إلى داخل الدماغ الذي يتحرك بعنف داخل الجمجمة، ما يؤدي إلى شدّ وتمزّق الألياف العصبية الدقيقة، خاصة في المنطقة الجبهية المسؤولة عن اتخاذ القرار والسلوك.
التصوير بالرنين المغناطيسي كشف أن اللاعبين الذين يضربون الكرة بالرأس أكثر من 1,000 مرة سنوياً يظهر لديهم تلف واضح في المادة البيضاء للدماغ، وهي الشبكة المسؤولة عن نقل المعلومات بين الخلايا العصبية.
لماذا يُصاب البعض ولا يُصاب الآخرون؟
ليس كل من يضرب الكرة بالرأس يُصاب بالخرف. فالعوامل الوراثية، ونمط الحياة، وقوة الالتهاب العصبي، وصحة الأوعية الدموية تلعب دوراً في تحديد من سيصاب ومن سيقاوم.
لكن القاعدة العلمية واضحة:
كلما زاد عدد الصدمات الدماغية، زاد خطر المرض.
هل يمكن إنقاذ الأجيال القادمة؟
العلم لا يقف مكتوف اليدين. فهناك اليوم:
خوذات ذكية تمتص الصدمات في كرة القدم الأمريكية
حظر ضربات الرأس لدى الأطفال في بعض الدول
تقليص عدد تدريبات الرأس لدى اللاعبين المحترفين
وقد أظهرت الدراسات أن أغلب ضربات الرأس لا تقع في المباريات، بل في التدريبات الأسبوعية، حيث قد يتلقى اللاعب آلاف الصدمات غير الضرورية.
الوقاية قبل فوات الأوان
الرسالة العلمية اليوم واضحة:
إذا لم يتم تقليص الصدمات المتكررة للرأس، فإن موجة جديدة من الخرف الرياضي ستظهر خلال العقود المقبلة.
الرياضة يجب أن تبقى مصدر صحة، لا بوابة لدمار الدماغ.
عن (الوكالة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى