دولي

توماس فريدمان يستعيد “مبادرة السلام العربية” (2002) الضائعة ويبني عليها لطرح حل جديد قد يكون الفرصة الأخيرة

في عموده الصحافي الأخير في “نيويورك تايمز”، يقول توماس فريدمان، وهو الخبير البارز في شؤون الشرق الأوسط منذ عقود، إن حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يحتاج من جهة إلى خطوة جريئة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شبيهة في مضمونها بـ”مبادرة السلام العربية” (2002) وإلى تهميش دور حركة “حماس” ونتنياهو، ومن جهة أخرى يقتضي الحل كذلك اتخاذ الرئيس الأميركي جو بايدن موقفاً حازماً من السياسة الإسرائيلية بما فيها اعتراف واشنطن بالدولة الفلسطينية ولو بصورة أحادية.

ويرى فريدمان أن سعي إسرائيل إلى تدمير “حماس” واحتلال غزة والضفة الغربية بشكل دائم ورفض أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، سيحولها إلى دولة منبوذة على مستوى العالم للجيل المقبل، بخاصة في العالم العربي وسيجبر حلفاء إسرائيل العرب على الابتعاد منها.

وأكثر من هذا فإن استمرار الصراع سيهدد “البنية الكاملة للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط” ويقوض معاهدات السلام الشاملة بين إسرائيل ومصر والأردن ودول الخليج، مما يعقد قدرة واشنطن على حل النزاع ويفتح المنطقة أمام مزيد من النفوذ الروسي والصيني.

ويرى فريدمان أن هناك لاعبين رئيسين لا يريدان سلاماً، تحت أي ظرف من الظروف، وهما قويان للغاية “حماس” وبنيامين نتنياهو وشركاؤه في الائتلاف اليميني المتطرف.

ويتذكر فريدمان عام 2002 حين كان في زيارة إلى السعودية ومقابلته لولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، وتبادله الحديث عن أهمية تقديم خطة سلام عربية وهو ما كان يجول فعلاً في بال ولي العهد على حد قوله، وتجلى لاحقاً في شكل “مبادرة السلام العربية” التي دعت إلى الانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة، بما يتوافق مع قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك القدس، والسماح بعودة اللاجئين مقابل اتفاقات سلام بين الدول العربية وإسرائيل.
أهمية المبادرة هذه، كما يقول فريدمان، كان أنها نالت موافقة جميع الدول العربية، بما فيها سوريا، وذلك خلال قمة الجامعة العربية ببيروت في مارس (آذار) 2002، “اعتقدت بصدق أن هذا قد يكون بداية النهاية للصراع”، كما يتذكر فريدمان، ويضيف “لكن الإسرائيليين لم ينتهزوا، شأنهم شأن إدارة بوش، الفرصة حقاً”.

ويفسر فريدمان عدم تلهف إسرائيل للمبادرة بأنها تزامنت مع هجوم انتحاري نفذته “حماس” في فندق شهير في نتانيا على شاطئ البحر مع بداية عطلة عيد الفصح اليهودي، أسفر عن مقتل 19 شخصاً وجرح العشرات. وهو هجوم ردت عليه إسرائيل بفرض حصار على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في مكتبه في رام الله.

ومنذ ذلك الوقت “استمرت الأمور بالتدهور”.

ويذكّر فريدمان بأن نتنياهو لم يخفِ يوماً سياسته القائمة على تقويض السلطة في رام الله وتأمين استمرار حكم “حماس” في غزة، لأن نتنياهو كان يقول “من يعارض قيام دولة فلسطينية عليه أن يدعم إيصال الأموال إلى غزة لأن الإبقاء على الفصل بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و’حماس‘ في غزة سيحول دون قيام الدولة الفلسطينية”.

وبنظر فريدمان كلما طال أمد الحرب زادت أعداد مؤيدي “حماس” ونتنياهو، أي زاد عدد الفلسطينيين ومؤيديهم في الغرب ممن يؤيدون وجهة نظر مفادها بأن “إسرائيل بأكملها عبارة عن مشروع استيطاني استعماري يجب تدميره من النهر إلى البحر”، ومن الجهة الأخرى يرفض مزيد ومزيد من الإسرائيليين مجرد التفكير في إقامة دولة فلسطينية على حدودهم.

وينتقد فريدمان مواقف بايدن وتصريحاته العقيمة عن “تجاوزات” في قطاع غزة وهي تصريحات أذهلته لأن الرئيس الأميركي “بدا وكأنه كاتب عمود صحافي أكثر من كونه رئيساً وشخصاً لديه القدرة على تغيير الأشياء”.

ومع ذلك يرى فريدمان أن الرئيس بايدن قادر على تغيير المسار الحالي بمساعدة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، داعياً إياهما إلى “إكمال المهمة التي بدأها أسلافكما”.

وبنظر الكاتب، فإن السعودية يمكن أن تكمل المسيرة من حيث توقفت عام 2002، داعياً ولي العهد محمد بن سلمان إلى إعلان استعداده للذهاب إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى أولاً ومن ثم التحدث إلى الشعب الإسرائيلي من منصة الكنيست ليقول لهم مباشرة “إذا شرعتم في طريق الدولتين لشعبين، ستوقع السعودية على اتفاق سلام مع إسرائيل وتعترف بالقدس الغربية عاصمة لها ما دام أن إسرائيل تعترف بالقدس الشرقية العربية عاصمة لفلسطين”.

ويتوقع فريدمان أن هذه الخطوة من شأنها أن تسهّل الاتفاق على التحالف الأمني الأميركي- السعودي ليكون “حجر الأساس لتحالف إقليمي ضد إيران ومحورها من الدول الفاشلة والوكلاء الذين يمتصون الحياة من اليمن وسوريا والعراق ولبنان”.

ومن جهته، يحتاج الرئيس بايدن إلى إكمال الطريق من حيث توقف بيل كلينتون الذي قدم في ديسمبر (كانون الأول) 2000، سلة من الأفكار أطلق عليها اسم “معايير كلينتون” التي توضح بالتفصيل كيفية إنهاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وتقوم على مبدأ دولتين قوميتين لشعبين، ويكمل فريدمان قائلاً “هذا هو الوقت المناسب للقيام بخطوات جريئة من شأنها أن تعطي إشارة للإسرائيليين والفلسطينيين والشرق الأوسط والعالم أن أميركا جادة في رؤية حل الدولتين. وبما أن نتنياهو لن يتفاوض على إقامة دولة فلسطينية، فمن الممكن الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كدولة من جانب واحد”.

وأخيراً يرى فريدمان أنه وبمجرد أن تضع الحرب أوزارها في غزة، فإننا قد نكون أمام “أفضل فرصة لحل الدولتين منذ انهيار أوسلو… وربما الأخيرة أيضاً”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى