فن وثقافة

إلياس الهاني يستشرف مستقبل المجتمع المدني ورهانات العمران الإنساني في إصدار فكري جديد

صدر حديثا عن دار عالم الكتب الحديث بالأردن مؤلف جديد للباحث الدكتور إلياس الهاني، يحمل عنوان «تحولات المجتمع المدني المعاصر والرهانات الحضارية: رؤية فكرية في قضايا العمران الإنساني»، يتناول فيه التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المدني، وأدواره المتجددة في بناء الإنسان والمجتمع، وقدرته على مواكبة التحديات الحضارية التي يفرضها العالم المعاصر.

ويقدم الكتاب قراءة فكرية وتاريخية لمسار تطور المجتمع المدني، من خلال استحضار السياقات السياسية والاجتماعية والقانونية التي أسهمت في تشكله، وتحليل التحولات التي عرفتها وظائفه وأدواره، خصوصا في مجالات المشاركة المجتمعية والتنمية وتعزيز قيم المسؤولية والتضامن والعمل من أجل الصالح العام.

ويتجاوز المؤلف المقاربات التقليدية التي تختزل المجتمع المدني في الجمعيات والتنظيمات والأنشطة التطوعية، ليطرح تصورا أوسع يجعله فاعلا أساسيا في البناء الحضاري والعمران الإنساني، ومجالا لإنتاج الوعي وتكوين الإنسان وتنمية قدراته على المشاركة والمبادرة والتأثير في محيطه الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب التحديات التي تواجه الفعل المدني في ظل التحولات الرقمية والجيوسياسية والاجتماعية المتسارعة، وما تفرضه من ضرورة مراجعة آليات الاشتغال وأساليب التدبير، وإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والدولة وبقية الفاعلين المجتمعيين.

ويولي الهاني أهمية خاصة للمعرفة باعتبارها رافعة لتجديد العمل المدني، مؤكدا أن فاعلية المؤسسات المدنية لا تقاس فقط بحجم أنشطتها ومبادراتها، وإنما بقدرتها على فهم التحولات المجتمعية وإنتاج الحلول وتحويل المعرفة إلى مشاريع عملية تستجيب لحاجات المجتمع وتطلعاته.

كما يحضر الشباب في هذا العمل بوصفهم قوة أساسية في تجديد الفعل المدني، من خلال ما يمتلكونه من إمكانات للإبداع والمبادرة والانخراط في التحولات الرقمية والمعرفية، بما يفتح آفاقا جديدة أمام المشاركة المجتمعية وصناعة المستقبل.

ويخصص المؤلف حيزا من مقاربته للتجربة المغربية في مجال المجتمع المدني، مستحضرا خصوصياتها وتطوراتها والتحديات التي تواجهها، في محاولة لربط الأسئلة المحلية بالتحولات العالمية، واستكشاف سبل تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز استقلالية المبادرة المدنية ونجاعتها.

ومن أبرز القضايا التي يثيرها الكتاب العلاقة بين المجتمع المدني والعمران الإنساني، إذ ينظر إلى العمل المدني باعتباره ممارسة تتجاوز تقديم الخدمات أو تنظيم الأنشطة، لتشمل بناء القيم، وترسيخ ثقافة التعاون، وتنمية الوعي الجماعي، والإسهام في إنتاج الشروط الاجتماعية والمعرفية الضرورية لتقدم المجتمعات.

ومن خلال هذه المقاربة، يدعو الكتاب إلى إعادة التفكير في وظائف المجتمع المدني، على أساس التكامل بين البناء المؤسسي والتجديد الفكري والاستثمار في المعرفة والطاقات الشبابية، بما يسمح بتجاوز محدودية الممارسات التقليدية نحو فعل مدني أكثر ارتباطا بالتحولات المجتمعية والرهانات الحضارية.

ويشكل هذا الإصدار مساهمة جديدة في النقاش الفكري حول مستقبل المجتمع المدني، من خلال طرح أسئلة تتعلق بقدرته على تجديد أدواره ومواكبة التحولات المعاصرة، ومدى إمكان تحوله من فضاء للمبادرات الاجتماعية إلى قوة معرفية ومجتمعية تسهم في بناء الإنسان وتطوير العمران وتحقيق التنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى