حين يُقصى الصوت الريفي… من يكتب ذاكرة المهرجانات؟

بقلم فكري ولدعلي
Email :fikri.press@gmail.com
في كل صيف، تتحول مدن المغرب إلى مسارح مفتوحة للاحتفاء بالموسيقى، حيث تتعالى الإيقاعات وتتنوع الألوان الفنية، في مشهد يُفترض أن يعكس غنى الهوية الثقافية الوطنية. غير أن هذا البريق يخفي وراءه سؤالًا مقلقًا: أين موقع الفن الريفي ضمن هذه الخريطة؟ ولماذا يبدو حضوره خافتًا، إن لم يكن غائبًا في كثير من الأحيان؟ليست القضية مجرد غياب أسماء من منطقة معينة عن منصات كبرى، بل هي مسألة أعمق ترتبط بتمثيل الذاكرة الجماعية. فالفن الريفي، بما يحمله من لغة وتاريخ وتجربة إنسانية، ليس مجرد لون موسيقي، بل تعبير عن هوية متجذرة في شمال البلاد، ساهمت عبر عقود في تشكيل وجدان مغربي متعدد الروافد.المدافعون عن برمجة المهرجانات يبررون اختياراتهم باعتبارات السوق والجمهور والرعاة، حيث تُفضل الأسماء ذات الانتشار الواسع والقابلية التجارية. هذا المنطق، وإن كان مفهومًا من زاوية تنظيمية، يطرح إشكالًا حين يتحول إلى معيار شبه وحيد، يقصي بشكل غير مباشر أنماطًا فنية أقل حضورًا إعلاميًا، لكنها لا تقل قيمة ثقافية.في المقابل، يرى منتقدو هذا التوجه أن ما يحدث يتجاوز “الاختيار الفني” ليقترب من تهميش غير معلن، نتيجة غياب رؤية ثقافية تضمن التوازن بين مختلف التعبيرات المغربية. فحين تتكرر نفس الأسماء والأنماط كل عام، ويغيب التنوع الحقيقي، يصبح الحديث عن “الصدفة” أقل إقناعًا.المفارقة أن الخطاب الرسمي كثيرًا ما يحتفي بالتعدد الثقافي واللغوي، ويعتبره ركيزة من ركائز الهوية الوطنية. لكن هذا الاحتفاء لا يترجم دائمًا إلى سياسات ملموسة في برمجة الفضاءات الكبرى، وعلى رأسها المهرجانات الصيفية التي تشكل واجهة المغرب الفنية أمام العالم.المطلوب اليوم ليس فرض حضور أي لون موسيقي بشكل اعتباطي، بل إرساء توازن واعٍ يعكس فعليًا ثراء المشهد الثقافي. فالمهرجانات ليست فقط فضاءات للترفيه، بل منصات لصناعة الذاكرة الجماعية، وإعادة تعريف ما نعتبره “موسيقى مغربية”.إقصاء الصوت الريفي، سواء كان مقصودًا أو نتيجة اختيارات غير متوازنة، يطرح سؤال العدالة الثقافية. ومن دون إجابة صريحة وواضحة، سيظل هذا الصوت خارج الأضواء… بينما تُكتب الحكاية من زاوية واحدة فقط.


