قطاع الصحة بإقليم الدريوش…حين يتحول الحق في العلاج إلى معاناة يومية بين وعود رسمية وانتظار قاتل

يشكل الحق في الصحة أحد أبرز الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي،باعتباره مدخلاً رئيسياً لصون كرامة الإنسان وضمان الحق في الحياة. غير أن الواقع الذي يعيشه قطاع الصحة بإقليم الدريوش يكشف عن فجوة مقلقة بين النصوص القانونية والتصريحات الرسمية من جهة، والمعاناة اليومية للمواطنين من جهة أخرى.
لقد كان افتتاح المركز الاستشفائي الإقليمي بالدريوش حدثاً مفصلياً استبشرت به الساكنة خيراً،على أمل إنهاء سنوات من المعاناة المرتبطة بالتنقل إلى مدن مجاورة كالناظور ووجدة لتلقي العلاج، لكن سرعان ما تلاشت هذه الآمال، بعدما اتضح أن هذه المنشأة الصحية الحديثة تفتقر إلى أبسط مقومات الاشتغال الفعلي،لتتحول إلى ما يشبه “جسداً بلا روح”، غير قادر على الاستجابة للحاجيات الصحية المتزايدة للساكنة.المعطيات الميدانية التي وقفنا عليها ولامسناها في أرض الواقع،من خلال مواكبة عدد من الحالات المرضية، تؤكد وجود خصاص مهول في الموارد البشرية، خاصة على مستوى الأطباء المتخصصين والأطر التمريضية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة،بل ويهدد أحياناً حياة المرضى. ومن بين النماذج الصادمة، عجز المستشفى الإقليمي مؤخراً عن تقديم تقرير طبي لحالات ضحايا حادثة سير، بسبب غياب طبيب مختص في التشخيص الإشعاعي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية هذا المرفق الحيوي للقيام بوظائفه الأساسية.
إن هذه الحالة ليست استثناءً،بل تعكس وضعاً بنيوياً يعاني منه القطاع الصحي بالإقليم،حيث يضطر المرضى إلى التنقل نحو المستشفى الحسني بالناظور أو المركز الاستشفائي الجامعي بوجدة،في ظروف صعبة، غالباً ما تكون سبباً في تفاقم الحالات الصحية، بل وفقدان أرواح كان بالإمكان إنقاذها لو توفرت الخدمات الطبية في وقتها.وفي مقابل التصريحات التي قُدمت خلال اجتماعات رسمية، من بينها الفيديو المرفق بالمقال،خلال اجتماع لجنة اليقظة من خطر الفيضانات،الذي تم عقده بعمالة الدريوش قبل بضعة أشهر،والتي تحدث خلالها ممثل قطاع الصحة عن توفر الأطر الطبية والتمريضية، بحيث صرّح المسؤول بأن المستشفى الإقليمي بالدريوش يتوفر على أزيد من 190 إطارا، و 28 طبيبا اختصاصيا،يصطدم المواطنون بواقع مغاير تماماً،يكشف حجم الضغط الكبير الذي يعيشه العاملون بالقطاع،في ظل نقص حاد في الموارد البشرية،وغياب إجراءات ملموسة لسد هذا الخصاص.وأمام هذا الوضع، تبرز مجموعة من التساؤلات المشروعة التي تنتظر إجابات واضحة ومسؤولة :متى ستتدخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمديرية الجهوية للصحة لتقديم توضيحات دقيقة واتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذا الخصاص؟إلى متى سيستمر الطاقم الطبي في العمل تحت ضغط مهني ونفسي غير مقبول، دون تعزيز الموارد البشرية وتحسين ظروف الاشتغال؟وأين هو تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص عليه الدستور، في ظل استمرار هذا الوضع الذي يمس بشكل مباشر حق المواطنين في العلاج؟.
إن ما يعيشه إقليم الدريوش اليوم لم يعد مجرد اختلال عابر، بل تحول إلى أزمة حقيقية تمس جوهر الحقوق الأساسية للمواطنين. فاستمرار هذا الوضع دون تدخل حازم وفعال، يعني تعميق معاناة الساكنة، وإهدار مزيد من الأرواح، وهو ما يتنافى مع التزامات الدولة في ضمان الحق في الصحة والعيش الكريم.إن المرحلة الراهنة تستدعي تحركاً عاجلاً ومسؤولاً من قبل الجهات الوصية، ليس فقط لتدارك الخصاص، بل لإعادة الثقة في المرفق الصحي العمومي، وضمان أن لا يبقى المواطن في الدريوش رهينة الانتظار القاتل، بين وعود تتكرر وواقع لا يتغير.
بقلم: أحمد لوكيلي: رئيس لجنة الإعلام والتواصل للشبكة المغربية لحقوق الإنسان والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب بجهة الشرق



