رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: ترامب ونتنياهو…عندما تتحول الشراكة إلى صراع نفوذ ومصير

لم يعد الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل سنوات هو نفسه اليوم. فالحروب المتلاحقة، والأزمات المتفجرة، والتحولات الجيوسياسية العميقة، أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات بصورة غير مسبوقة. وفي قلب هذا المشهد المضطرب يقف رجلان يواجهان معركة سياسية لا تقل ضراوة عن المعارك العسكرية الدائرة في المنطقة: دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.
لقد دخل نتنياهو الحرب وهو يعتقد أن القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض الوقائع الجديدة، لكنه وجد نفسه بعد شهور طويلة أمام واقع مختلف تمامًا. فبدل أن تنتهي الأزمة سريعًا، تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والانقسام على مستوى العالم. وبدل أن يخرج الكيان الإسرائيلي أكثر قوة، أصبح يواجه انتقادات غير مسبوقة، وتراجعًا في صورته الدولية، وتحديات سياسية وأمنية متزايدة.
أما ترامب، الذي يسعى إلى تثبيت موقعه السياسي وإثبات قدرته على إدارة الملفات الدولية، فإنه يدرك أن استمرار الفوضى والحروب المفتوحة لا يخدم مصالحه ولا يخدم صورة الولايات المتحدة. ولذلك تبدو العلاقة بين الرجلين وكأنها انتقلت من مرحلة التحالف المطلق إلى مرحلة الحسابات الدقيقة وصراع المصالح.
هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بعدد الصواريخ، ولا بحجم الجيوش، بل تُقاس بحجم التحولات التي تتركها في وعي الشعوب وفي موازين القوى الدولية، ومن وجهة نظري، فإن الشرق الأوسط يعيش اليوم واحدة من تلك اللحظات الفاصلة.

اليوم لم تعد الأزمة بالنسبة لنتنياهو مقتصرة على خصومه خارج إسرائيل، بل امتدت إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث تتزايد الأصوات التي تتساءل عن جدوى السياسات الحالية وعن الثمن الذي تدفعه إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ترامب.. القوة العظمى التي لم تعد قادرة على فرض كل شيء، أما دونالد ترامب، فقد عاد إلى البيت الأبيض وهو يحمل وعودًا كبيرة وشعارات أكبر. لكن الشرق الأوسط لم يكن يومًا منطقة سهلة، فالمنطقة التي أسقطت مشاريع إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ لا يمكن التعامل معها بمنطق الأوامر والتعليمات…ومن وجهة نظري، فإن ترامب يواجه اليوم معضلة حقيقية، فهو يريد الظهور بمظهر القائد القادر على إنهاء الأزمات، لكنه يواجه واقعًا أكثر تعقيدًا من أي خطاب انتخابي، ويريد فرض الاستقرار، لكنه يجد نفسه أمام حروب وصراعات ومصالح متشابكة تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على التحكم الكامل بها.

ولهذا أرى أن صورة القوة الأمريكية المطلقة لم تعد كما كانت في الماضي، وأن العالم يشهد تحولًا تدريجيًا نحو توازنات أكثر تعقيدًا وتعددًا…إيران ومعادلة الشرق الأوسط الجديدة قد يرفض البعض هذا التوصيف، وقد يؤيده آخرون، لكن من وجهة نظري، فإن إيران خرجت من السنوات الأخيرة وهي ما تزال لاعبًا رئيسيًا في معادلات المنطقة، ورغم الضغوط والعقوبات والمواجهات لم تختفِ من المشهد كما توقع خصومها، بل إن كثيرًا من الملفات الإقليمية ما زالت تمر عبر حسابات تتعلق بطهران ونفوذها وعلاقاتها الإقليمية، ولهذا أعتقد أن أحد أهم الدروس التي أفرزتها المرحلة الحالية هو أن الشرق الأوسط الجديد لا يُصنع بإرادة طرف واحد، ولا يمكن هندسته وفق رؤية قوة واحدة مهما بلغ نفوذها، فالمنطقة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأكثر تشابكًا، وأكثر مقاومة لمحاولات الهيمنة المطلقة.
العالم يتغير…والخرائط السياسية تتغير معه، الحدث الأهم، من وجهة نظري، ليس فقط ما يجري على الأرض، الحدث الأهم هو ما يجري في العقول…في الجامعات…في الإعلام…في الرأي العام العالمي…في النقاشات السياسية داخل العواصم الغربية نفسها.

لقد تغيرت أشياء كثيرة خلال فترة قصيرة.د، وسقطت مسلمات كانت تبدو راسخة لعقود، وأصبحت أسئلة العدالة والقانون الدولي وحقوق الإنسان تُطرح بقوة أكبر من أي وقت مضى، وهذه التحولات قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد من أي مواجهة عسكرية مؤقتة.
معركة البقاء السياسي..
أعتقد أن المعركة الحقيقية بدأت الآن، ليست معركة الدبابات والطائرات، بل معركة الشرعية والثقة والمستقبل السياسي.
كل طرف يحاول البقاء.كل طرف يحاول إقناع جمهوره بأنه ما زال يمسك بزمام الأمور.لكن التاريخ يعلمنا أن الزعماء لا يسقطون فقط عندما يخسرون الحروب، بل عندما يفقدون القدرة على إقناع الناس بأنهم يملكون طريقًا واضحًا إلى المستقبل.
الخاتمة من وجهة نظري، لم يعد السؤال: من يملك السلاح الأقوى؟السؤال أصبح: من يملك القدرة على قراءة العالم الجديد؟العالم يتغير.المنطقة تتغير.وموازين القوة تتغير.أما القادة الذين يصرون على إدارة المستقبل بعقلية الماضي، فإنهم غالبًا ما يكتشفون متأخرين أن التاريخ تجاوزهم.وربما يكون الدرس الأهم في هذه المرحلة أن الشعوب قد تتأخر في إصدار أحكامها، لكن التاريخ لا ينسى.واليوم، وبين ركام الحروب وضجيج السياسة وصراع المصالح، يولد شرق أوسط جديد، لا يشبه كثيرًا ذلك الشرق الأوسط الذي عرفه العالم لعقود طويلة.ويبقى السؤال مفتوحًا: من سيتكيف مع هذا الواقع الجديد، ومن سيصبح جزءًا من الماضي؟ ذلك ما ستجيب عنه السنوات القادمة.

الشرق الأوسط يكتب شهادة وفاة أوهام القوة.. وترامب ونتنياهو في مواجهة حساب التاريخ
عندما تتحول الحرب من وسيلة للهيمنة إلى بداية السقوطفي السياسة، هناك لحظات يعتقد فيها القادة أنهم يصنعون التاريخ، لكنهم يكتشفون لاحقًا أن التاريخ هو الذي كان يصنع نهايتهم السياسية.ومن وجهة نظري، فإن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يعيشان اليوم واحدة من تلك اللحظات الحاسمة، فبعد سنوات من الحديث عن القوة المطلقة والتفوق العسكري والقدرة على فرض الوقائع بالقوة، جاء الواقع ليكشف حدود هذه القوة وحدود هذه الحسابات.لقد كان الرهان واضحًا: فرض إرادة سياسية بالقوة العسكرية، وإعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة.لكن ما حدث، في تقديري، كان عكس ذلك تمامًا، فكلما امتدت الحروب، اتسعت دائرة الغضب، وكلما ارتفع صوت السلاح، ارتفعت معه الأسئلة الصعبة حول النتائج والجدوى والمستقبل.

