الحسيمة… سؤال المسؤولية والمحاسبة أمام استفحال العبثإ.التسولي (الحسيمة

«كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء؟» مقتطف من الخطاب الملكي لشهر يوليوز 2017، الذي وجه فيه جلالة الملك نقدا صريحا للمسؤولين العموميين والمنتخبين الذين يقصرون في القيام بواجباتهم.
لم تعد مظاهر التسيب والتهاون في الحسيمة حالات معزولة أو استثناءات عابرة، بل أصبحت مشهدا يوميا يثير أسئلة جدية حول التدبير والمسؤولية والمحاسبة. أزبال متراكمة، أرصفة وشوارع متسخة، روائح كريهة، حفر، وفوضى في احتلال الملك العمومي، جعلت تنقل المواطنين، وخاصة الراجلين، أمرا بالغ الصعوبة.والأكثر إثارة للقلق هو الانتشار اللافت للعربات والأكشاك والتجارة غير المهيكلة فوق الأرصفة، وفي الفضاءات العمومية. وهنا يصبح السؤال مشروعا: من يرخص؟ من يراقب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟وتزداد علامات الاستفهام حين يتعلق الأمر بالأكشاك القارة.
فبحسب المعطيات المتداولة، سبق للمجلس الجماعي خلال الولاية السابقة أن اتخذ مقررا يقضي بعدم منح تراخيص لإنشاء الأكشاك القارة، دون أن يتوفر، حسب المعطيات المتاحة، ما يفيد إلغاء هذا المقرر أو استبداله بمقرر لاحق.فكيف، والحالة هذه، تنصب أكشاك قارة جديدة وتنتشر بشكل لافت، حتى أجهز بعضها على الأرصفة وامتد إلى الفضاءات الخضراء، كما هو الحال في حديقة تشيتا؟ وبأي سند قانوني؟ وكيف يمكن ممارسة تخالف مقررا صادرا عن مؤسسة التداول المنتخبة أن تستمر دون إلغاء أو تعديل ذلك المقرر وفق المساطر القانونية؟ وأين تقف سلطة الوصاية من مسؤوليتها في السهر على احترام القانون وحماية الملك العمومي؟.
إن احترام مقررات المؤسسات المنتخبة ليس مسألة شكلية، بل هو أحد مقومات دولة المؤسسات واستمرارية المرفق العام. فالقرارات الإدارية لا ينبغي أن تصبح رهينة للأشخاص أو لتغير الولايات، وإنما تظل نافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق القانون.
ولا تتوقف مظاهر الفوضى عند هذا الحد. فقد باتت بعض المحلات التجارية، بحسب ما يتداوله المواطنون، تتعامل مع الفضاءات المحاذية لها وكأنها امتداد لملكيتها الخاصة، فتقوم باستغلالها أو كرائها للغير، رغم أن الأرصفة والملك العمومي ليست ملكا لأصحاب المحلات، ولا يجوز التصرف فيها خارج الضوابط القانونية.وإذا كانت هذه الاستغلالات تتم دون ترخيص، فلماذا لا يتم وضع حد لها؟ وإذا كانت تتم بتراخيص، فمن منحها وبأي سند قانوني؟ أما ما يتداول من شبهات حول تقديم مقابل مالي أو منافع لفائدة بعض المنتخبين مقابل الترخيص أو التغاضي أو تسهيل بعض هذه الممارسات، فلا ينبغي التعامل معه لا بالإدانة المسبقة ولا بالتجاهل، وإنما بالتحري الجدي والشفاف وترتيب المسؤوليات على أساس ما تثبته الوقائع والتحقيقات.
وما يزيد من خطورة الوضع أن مقر الجماعة سبق أن شهد واقعة مؤسفة، وفق ما تم تداوله، تتعلق بأم دفعتها بطالة ابنها إلى تقديم مقابل لأحد المنتخبين أملا في الحصول على ترخيص لعربة مجرورة، قبل أن ينتهي الأمر إلى خلاف وتهديدات. ومثل هذه الوقائع، بصرف النظر عن مآلاتها القانونية، تكشف إلى أي حد يمكن أن تنحدر علاقة المواطن بالمؤسسة حين تغيب الشفافية وتضطرب قواعد الولوج إلى الحقوق والخدمات والتراخيص.وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الحسيمة واجهة حضرية وسياحية تليق بمكانتها، أصبحت مظاهر العشوائية تمتد حتى إلى شوارعها الرئيسية وذات الرمزية، ومنها شارع محمد الخامس، الذي بات يشهد انتشارا عشوائيا للعربات و«الكرارس» والسلع والمواد المختلفة، في مشهد يوحي بأن الفضاء العام أصبح بلا تدبير واضح ولا رقابة فعالة.
وهنا يطرح السؤال نفسه، بكل وضوح ومسؤولية: ما جدوى المؤسسات المنتخبة إذا لم تعد قادرة على تحمل مسؤوليتها، واحترام مقرراتها، وضمان تطبيق القانون وصون المصلحة العامة؟ وما حدود مسؤولية سلطة الوصاية في مواجهة هذا الوضع؟ وأين تقف المعارضة داخل المجلس الجماعي، وما الذي قامت به من أجل ممارسة أدوارها الرقابية والسياسية؟.
إن الأمر لم يعد يتعلق بحالات متفرقة يمكن تجاوزها بالصمت أو بالتبرير، وإنما بصورة التدبير الحضري وبثقة المواطنين في المؤسسات. والحاجة اليوم أصبحت ملحة إلى تفعيل آليات الرقابة والمساءلة، والتحقق من كل الادعاءات والشبهات المتداولة، وترتيب المسؤوليات على كل من ثبت تقصيره أو تجاوزه، أياً كانت صفته.
الحسيمة، بما تمثله من قيمة تاريخية وسياحية ومجالية، تستحق مؤسسات تشتغل بجدية ومسؤولية، وفضاء عموميا منظما يحترم المواطن، وقانونا يطبق على الجميع دون استثناء. أما أن تتحول الأرصفة والحدائق والفضاءات العمومية إلى مجال مفتوح للاستغلال العشوائي، بينما يبقى المواطن هو المتضرر الأول، فذلك ليس مجرد خلل في التدبير، بل مسألة تستوجب المساءلة والمحاسبة امام تحول الفوضى إلى أمر واقع، ومجلس برئيس غائب إلى اجل غير مسمى

