السلطة الرابعة

رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: يا وزير الداخلية…هل كان غياب الكاميرات جزءًا من المسرح الانتخابي؟

في الانتخابات، هناك شيء واحد يجب ألا يختلف عليه اثنان: الصندوق يجب أن يكون أكثر الأماكن حمايةً وشفافيةً في الدولة، فالمحكمة لها كاميرات، والمنشآت الأمنية لها كاميرات، والشوارع والمؤسسات والمرافق العمومية تخضع في كثير من الحالات للمراقبة والتوثيق. أما المكان الذي تُوضع فيه إرادة الشعب داخل صندوق، فتقول لنا الدولة إن الكاميرات ليست موجودة في عدد من مراكز الاقتراع، وهنا أسأل وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت سؤالًا مباشرًا: لماذا؟ هل غياب الكاميرات قرار تنظيمي مقصود؟ هل توجد أسباب قانونية أو تقنية تمنع توثيق ما يحدث داخل مراكز الاقتراع؟ أم أن الدولة لم تعتبر توثيق العملية الانتخابية أولوية؟ وهل يمكن أن يؤدي غياب التوثيق المرئي إلى صعوبة اكتشاف أي تلاعب أو مخالفة؟.

أنا لا أقول إن غياب الكاميرات يثبت تزوير الانتخابات، لكنني أقول شيئًا أخطر: إن غياب إحدى أهم وسائل التوثيق يفتح بابًا واسعًا للشك، خصوصًا عندما تظهر بعد الانتخابات قضية قضائية تتعلق بأوراق اقتراع في مدينة طنجة، وهنا يصبح السؤال مشروعًا…

يا لفتيت.. الصندوق ليس خشبة مسرح، يا وزير الداخلية، أنت المسؤول عن إدارة الانتخابات، وأنت الذي خرجت أمام الشعب لتعلن الأرقام والنتائج، لكنني أقول لك بكل صراحة: لا يمكنك أن تطلب من الشعب أن يصدق المشهد فقط، لأن الستار أُسدل…نحن نريد أن نعرف ما حدث خلف الستار…نريد أن نعرف كيف حُميت صناديق الاقتراع…نريد أن نعرف كيف تمت مراقبة مكاتب التصويت…نريد أن نعرف كيف تم الفرز…نريد أن نعرف أين توجد المحاضر…نريد أن نعرف عدد الأصوات في كل مكتب…نريد أن نعرف الأوراق البيضاء والملغاة…ونريد أن نعرف لماذا لا تكون كل هذه المعلومات متاحة للرأي العام بصورة واضحة وقابلة للتدقيق.

ثم تقولون إن الشعب اختار…

وزارة الداخلية أعلنت أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت 38.02%، وهذا الرقم يجب ألا يتحول إلى أداة دعائية، فـ38.02% تعني أن نسبة كبيرة من المسجلين لم تشارك في الاقتراع، وهنا السؤال: لماذا؟هل فقد المواطن الثقة في الأحزاب؟ هل فقد الثقة في المرشحين؟ هل لم يجد برنامجًا يعبر عنه؟هل أصبحت السياسة بالنسبة إليه مجرد صراع على المواقع والنفوذ؟ أم أن هناك أسبابًا اجتماعية واقتصادية أخرى؟.

هذه الأسئلة لا يجيب عنها بيان انتخابي…هذه الأسئلة تحتاج إلى قراءة سياسية عميقة…طنجة.. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، ثم جاءت قضية طنجة…قضية لم تعد مجرد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي…هناك تحقيق قضائي، وهناك أشخاص تم توقيفهم، وهناك أوراق اقتراع أصبحت موضوعًا للتحقيق، ثم وصل التحقيق إلى عمدة طنجة، منير ليموري، الذي يشغل كذلك مسؤولية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث وُضع رهن الحراسة النظرية في إطار هذا الملف، وهنا لا أريد أن أسبق القضاء، ولا أريد أن أحكم على العمدة قبل أن يقول القضاء كلمته، لكنني أريد أن أطرح الأسئلة التي يجب أن تطرحها الصحافة: من أين جاءت أوراق الاقتراع؟ من أعطاها؟ لماذا أُخرجت من مكتب التصويت؟ هل كانت الواقعة محصورة في طنجة؟ هل توجد مكاتب أخرى تحتاج إلى التحقيق؟ وهل توجد محاضر أو تسجيلات أو أدلة أخرى يمكن أن تكشف الحقيقة كاملة؟.

هذه الأسئلة ليست ترفًا صحفيًا، إنها أسئلة تتعلق مباشرة بثقة المواطن في الانتخابات، وإذا كانت الدولة واثقة، فلماذا تخاف من الشفافية؟ أنا لا أطلب المستحيل…إذا كانت وزارة الداخلية واثقة من سلامة العملية الانتخابية، فلتفتح البيانات…إذا كانت المحاضر موجودة، فلِمَ لا تكون متاحة بصورة منظمة؟إذا كانت النتائج سليمة، فليستخرجها الباحث والصحفي والمواطن من البيانات ويقارنها.

إذا كانت المخالفات محدودة، فليُكشف حجمها…إذا كانت قضية طنجة فردية، فليثبت التحقيق ذلك، أما أن نقول للمواطن: «ثقوا بنا وانتهى الأمر» فهذا ليس كافيًا في دولة تريد أن تقنع العالم بأنها دولة مؤسسات…أين الدولة من المال والنفوذ؟ الانتخابات لا تفسدها الورقة وحدها، هناك المال…هناك النفوذ…هناك العلاقات المحلية…هناك أصحاب المصالح، وهناك من يدخل الانتخابات لا دفاعًا عن المواطن، وإنما بحثًا عن موقع سياسي يفتح له أبواب النفوذ، وهنا يجب أن يكون السؤال لوزارة الداخلية والأجهزة المختصة: هل تم التحقيق في كل شبهة تتعلق بشراء الأصوات؟ هل تمت مراقبة مصادر تمويل الحملات؟ هل تمت مواجهة استعمال النفوذ؟ وهل كان القانون واحدًا على الجميع؟.

لا أتهم حزبًا بأكمله، ولا أتهم كل مرشح، لكنني أطالب بأن تكون المحاسبة واحدة للجميع، ومن يدير المشهد من خلف الستار؟ وهنا أصل إلى النقطة الأكثر حساسية…هناك دائمًا في الأنظمة السياسية دوائر نفوذ ومراكز قرار، لكن عندما يشعر المواطن أن المؤسسات المنتخبة ليست صاحبة القرار الحقيقي، وأن هناك أشخاصًا غير منتخبين يستطيعون التأثير في المشهد، فإن السؤال يصبح مشروعًا: من يدير اللعبة السياسية؟ ومن يضع قواعدها؟ ومن يقرر من يصعد ومن يسقط؟ ومن يرسم التحالفات؟ ومن يحدد شكل الحكومة المقبلة؟.

أنا لا أملك دليلًا يسمح لي بأن أقول إن القصر أصدر أمرًا بتزوير الانتخابات، ولا أقول ذلك، لكنني أقول إن غموض مراكز النفوذ يخلق بيئة خصبة للشائعات والشكوك، والحل ليس إسكات الصحافة، الحل هو الشفافية…

يا وزير الداخلية.. هل أتقنت الدور؟ وأقولها لك بصراحة، وباللغة التي يعرفها القارئ المغربي: يا وزير الداخلية، هل أتقنت الدور؟ لأن الانتخابات ليست مسرحًا، والشعب ليس جمهورًا جاء ليصفق، والصندوق ليس قطعة ديكور…إذا كان دورك هو حماية العملية الانتخابية، فحمايتها لا تكون فقط برجال الأمن حول المكاتب، حماية الانتخابات تكون أيضًا بمنع أي تلاعب داخلها، وتكون بالشفافية، وتكون بالتوثيق، وتكون بنشر البيانات، وتكون بالسماح للقضاء بأن يصل إلى كل من تحوم حوله الشبهة…أما أن تغيب وسائل التوثيق، ثم تظهر قضية أوراق انتخابية في طنجة، ثم يخرج المواطن من الانتخابات وهو يسأل عن تفاصيل كثيرة لا يجد لها جوابًا، فهنا تصبح مسؤولية وزارة الداخلية أكبر من مجرد إعلان النتائج.

مسؤوليتك هي حماية الثقة…لا نريد ديمقراطية على الورق، الديمقراطية ليست أن نطبع أوراقًا انتخابية ونضع صناديق في المكاتب…الديمقراطية هي أن يشعر المواطن أن صوته له قيمة، وأن يعرف أن صوته لن يضيع، وأن يطمئن إلى أن الورقة التي وضعها في الصندوق هي نفسها التي ستدخل في الحساب، وأن يعرف أن من يخالف القانون سيحاسب، سواء كان مواطنًا بسيطًا أو رئيس جماعة أو مرشحًا أو مسؤولًا حزبيًا…هذه هي الديمقراطية، أما الديمقراطية التي تنتهي بمجرد إعلان النتائج، فليست ديمقراطية مكتملة.

عندما يغيب التوثيق يبدأ الشك…يا وزير الداخلية، أنا لا أطالبك بمعجزة، أنا أطالبك بشيء بسيط: أعطِ الشعب الحقيقة، لماذا لا توجد كاميرات في مراكز الاقتراع التي يمكن توثيقها قانونيًا؟ كيف تراقب الدولة سلامة الصناديق؟ أين التفاصيل الكاملة للأصوات؟ أين الأوراق البيضاء والملغاة؟ أين محاضر المكاتب؟ ماذا حدث في طنجة؟ هل كانت حالة منفردة؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أثبت القضاء وجود تلاعب؟ هذه ليست أسئلة رجل يريد إسقاط الدولة…هذه أسئلة صحفي يريد أن يرى دولة قوية بمؤسساتها، لا دولة قوية فقط بأجهزتها.

وأقولها من موقعي الصحفي: إذا كانت الانتخابات نزيهة، فالشفافية ستثبت نزاهتها، وإذا كانت هناك مخالفات، فالقضاء يجب أن يكشفها، أما أن يظل المواطن أمام ستار مغلق، يسمع النتائج ولا يرى كل تفاصيل الطريق الذي أوصل إليها، فذلك هو ما يقتل الثقة.

قد يختلف معي البعض، قد يغضب مني البعض، قد يقول آخرون إنني أرفع سقف الكلام، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: وظيفة الصحفي ليست أن يصفق عندما يصفق الجميع…وظيفته أن يسأل عندما يخاف الآخرون من السؤال، وأن يطرق الباب عندما تُغلق الأبواب، وأن يقول للمسؤول: أنت في موقع السلطة، ونحن في موقع الرقابة الشعبية والإعلامية، وبيننا الحقيقة، فلا تجعلوا الشعب يعيش انتخابات على المسرح، بينما تُصنع القرارات الحقيقية خلف الستار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى