السلطة الرابعة

رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: من نصر أكتوبر إلى طلب تفويض الحرب.. هل أصبح قرار مصر العسكري رهينة المال

السيسي.. حين تتحول رئاسة مصر إلى سؤال عن الكرامة والسيادة

لم تعد القضية مجرد تصريح عابر أطلقه عبد الفتاح السيسي، بل أصبحت سؤالًا موجعًا عن قيمة مصر ومكانتها، وعن رئيس يبدو، في نظر منتقديه، وكأنه يضع حسابات السلطة فوق كرامة الدولة واستقلال قرارها.

كيف يقف رئيس مصر، صاحبة التاريخ والحضارة والجيش العريق، ليتحدث عن التحرك وفق توجيهات ملك دولة أخرى وولي عهدها؟ أهذه هي مصر التي عرفها العالم دولةً صاحبة قرار، أم أننا أمام مشهد يثير الغضب والقلق ويفتح أبوابًا من الأسئلة التي لا يجوز تجاهلها؟إنني أكتب هذه الكلمات بلهجة غاضبة، لا دفاعًا عن حاكم ولا خصومةً مع دولة عربية، بل دفاعًا عن حق مصر في أن تبقى صاحبة قرارها، وعن جيشها الذي لا يجوز أن يتحول إلى ورقة في حسابات السياسة والمال. فالرئيس يذهب، أما مصر فباقية، والسلطة تتغير، أما كرامة الوطن فلا ينبغي أن تكون محل مساومة. ومن هنا يبدأ السؤال الأخطر: هل أصبح قرار الحرب والسلام خاضعًا لحسابات لا يعرف الشعب حقيقتها، بينما يُطلب من المصريين أن يدفعوا الثمن من أموالهم وأمن أبنائهم.

هناك كلمات لا يجوز أن تمر مرور الكرام، وهناك عبارات قد تكون أخطر من قرارات عسكرية كاملة؛ لأنها تكشف طريقة التفكير، وحدود الاستقلال في اتخاذ القرار، ومكانة الدولة في نظر من يحكمها.وعندما يتحدث رئيس مصر، بصفته رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، عن تحرك الجيش المصري وفق توجيهات ملك دولة أخرى وولي عهدها، فإن القضية لا تعود مجرد تصريح سياسي عابر، بل تصبح سؤالًا يتعلق بالسيادة الوطنية، وكرامة الدولة، ومكانة الجيش الذي دفع المصريون من دمائهم وأعمارهم وأموالهم ثمنًا لبنائه.فهل وصل بنا الحال إلى أن نسمع رئيس مصر يتحدث عن توجيهات الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان بشأن تحرك القوات المصرية؟ ومن يملك القرار النهائي في إرسال الجيش المصري إلى حرب جديدة: الدولة المصرية ومؤسساتها الدستورية، أم الحسابات السياسية والاقتصادية والعلاقات المالية مع الحلفاء؟هذه ليست أسئلة للتشكيك في المملكة العربية السعودية، ولا دعوة إلى التخلي عن أمنها أو استقرارها، فالسعودية دولة عربية شقيقة، وأمنها مهم لأمن المنطقة، لكن الدفاع عن السعودية شيء، وأن يبدو القرار العسكري المصري وكأنه يتحرك تحت توجيهات قيادة دولة أخرى شيء مختلف تمامًا.

والفرق بين الأمرين هو الفرق بين دولة مستقلة تعرف مصالحها وتحدد قرارها، ودولة تضع نفسها في موقف يثير الشكوك حول استقلال إرادتها.أولًا: العبارة التي هزّت السؤال عن السيادة المصريةبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن كلمة عبد الفتاح السيسي في 17 أكتوبر 2026، أعلن استعداده لاتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طُلب من مصر ذلك، وقال إن مصر ستتصرف وفقًا لتوجيهات الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان، كما طلب عقد جلسة طارئة لمجلس النواب لمنحه التفويض اللازم إذا جاء طلب التحرك العسكري.

وهنا أصل القضية التي أريد أن أتوقف عندها طويلًا.

أنا لا أناقش حق السعودية في طلب المساعدة، ولا أنكر حق مصر في مساندة دولة عربية تتعرض لهجمات. إنما أناقش صياغة الكلام، ودلالته السياسية، وما يمكن أن يفهمه المواطن المصري حين يسمع رئيس بلاده يربط تحرك الجيش بتوجيهات قيادة دولة أخرى.من الذي يوجّه الجيش المصري؟ هل هو الدستور المصري، والقيادة المصرية، والمؤسسات المصرية، والمصالح العليا للشعب المصري؟ أم أن الرئيس يرى أن من المناسب سياسيًا أن يعلن أن بلاده ستتصرف وفق توجيهات قيادة دولة شقيقة؟ قد يقول قائل إن المقصود هو التنسيق والتشاور بين الحلفاء. وهذا تفسير ممكن، والتنسيق العسكري بين الدول أمر معروف في العلاقات الدولية. لكن إذا كان المقصود مجرد التنسيق، فلماذا لا تُصاغ العبارة بوضوح يحفظ مكانة مصر واستقلال قرارها؟ لماذا لا يقول الرئيس إن مصر ستدرس طلب المساعدة، وستتخذ قرارها وفق دستورها ومصالحها الوطنية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية؟ إن الكلمات ليست تفصيلًا ثانويًا حين تصدر عن رئيس دولة بحجم مصر، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بإرسال الجنود والطائرات والأسلحة إلى حرب إقليمية قد تتسع وتطول.

مصر ليست دولة هامشية، والجيش المصري ليس قوة مستأجرة، والشعب المصري ليس مجرد ممول لحروب الآخرين، والسيادة المصرية ليست عبارة دبلوماسية يمكن تجاوزها تحت ضغط الظروف.

ثانيًا: وديعة الخمسة مليارات وثلاثمائة مليون دولار.. مصادفة سياسية أم سؤال مشروع؟والآن نصل إلى الملف الذي لا يجوز تجاهله عند قراءة هذا المشهد: الملف الاقتصادي والمالي.في 15 سبتمبر 2026، نشرت وسائل إعلام مصرية، استنادًا إلى بيانات البنك المركزي المصري، أن وديعة سعودية بقيمة أصلية تبلغ 5.3 مليار دولار يحل موعد استحقاقها خلال أكتوبر 2026، وأن إجمالي أصل الوديعة والفوائد المستحقة يبلغ نحو 5.434 مليار دولار.

وفي 16 أكتوبر، نُشرت تقارير عن مفاوضات مصرية سعودية لتجديد الوديعة، مع الإشارة إلى أن الاتفاق النهائي بشأن مدة التجديد لم يكن قد أُعلن عنه في ذلك التقرير.

وهنا يحق للمواطن المصري أن يسأل، ويحق للصحفي أن يطرح السؤال، ويحق لكل صاحب رأي أن يناقش العلاقة بين الاقتصاد والسياسة الخارجية:هل يمكن أن تؤثر احتياجات مصر المالية في قراراتها الاستراتيجية؟ وهل تستطيع الحكومة أن تطمئن الشعب إلى أن أي قرار يتعلق بإرسال القوات المسلحة إلى خارج الحدود يُتخذ على أساس المصلحة الوطنية وحدها، لا تحت ضغط الاحتياجات الاقتصادية أو المفاوضات المالية.

إن تجديد الوديعة السعودية هو ثمن قرار عسكري، وايضاً عبد الفتاح السيسي رئيس مصر المزعوم يعيش علي أزمات الشعوب في الشرق الأوسط…إن إعلان الاستعداد للتحرك العسكري يفرض أسئلة سياسية واقتصادية مشروعة، ويستوجب شفافية كاملة من الحكومة المصرية.

إذا كانت الحكومة المصرية ترى أن الاستعداد للدفاع عن السعودية يخدم الأمن القومي المصري، فعليها أن تشرح للشعب كيف يخدمه، وما حدود المهمة، وما أهدافها، وما المخاطر المتوقعة، وما الضمانات التي تمنع انزلاق مصر إلى حرب مفتوحة.أما أن يظل المواطن أمام مشهد تتداخل فيه الحاجة الاقتصادية مع الاستعداد العسكري، ثم يُطلب منه ألا يسأل، فهذا أمر لا يستقيم مع حقه في معرفة ما يُتخذ باسمه ومن أجل مستقبله.ثالثًا: من يحمي مصر من فاتورة حرب جديدة؟مصر تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ثقيلة، والمواطن المصري يعرف جيدًا معنى ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، والضغوط التي تثقل كاهل الأسر، وما تعنيه الديون وخدمة الدين من أعباء على الموازنة العامة.وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع الدولة تحمل تبعات مواجهة عسكرية جديدة؟ ومن سيدفع تكلفة العمليات، ونقل القوات، والذخائر، والتأمين العسكري، واحتمال سقوط ضحايا، وتداعيات أي رد انتقامي؟الحرب ليست بيانًا يُلقى أمام الكاميرات، ولا صورة لطائرات تقلع من قاعدة عسكرية، ولا خطابًا حماسيًا ينتهي بتصفيق الحاضرين. الحرب قرار له ثمن بشري واقتصادي واستراتيجي، وقد تبدأ تحت عنوان محدود ثم تتسع إلى مواجهة يصعب التحكم في نهايتها.والسؤال الذي أطرحه هنا ليس هل يجب أن تقف مصر مع السعودية أم لا؛ فالمواقف العربية لا تُختزل في شعارات. السؤال هو: ما حدود التدخل المصري؟ وما الذي سيُطلب من الجيش المصري تحديدًا؟ وهل تقتصر المهمة على الدفاع عن الأراضي السعودية، أم يمكن أن تتطور إلى عمليات داخل اليمن؟…هذا هو الفارق بين التضامن العربي المحسوب، والزج بالجيش في حرب قد لا تكون نهايتها واضحة.

إن حماية الأمن القومي المصري تقتضي حساب المخاطر قبل إطلاق الوعود، لا بعد أن يصبح الجنود في ميدان المواجهة.رابعًا: اليمن ليس ساحة بلا حساب.. ومصر ليست بعيدة عن الخطرأي تدخل عسكري في محيط اليمن والبحر الأحمر وباب المندب يجب أن يُدرس من جميع جوانبه. فمصر ترتبط بهذا الممر البحري ارتباطًا مباشرًا، وقناة السويس مورد استراتيجي مهم، وأي اضطراب واسع في الملاحة أو اتساع للمواجهة قد ينعكس على الاقتصاد المصري وحركة التجارة وأمن البحر الأحمر.

لقد سبق لمصر أن شاركت في التحالف الذي تدخل في اليمن عام 2015 لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وفق ما أوردته رويترز في تقريرها عن التطورات الأخيرة.

لكن التجربة التاريخية لا تعني أن كل حرب جديدة يجب أن تُخاض بالشروط نفسها، ولا أن الظروف السياسية والعسكرية اليوم مطابقة لظروف الأمس.المطلوب ليس قرارًا انفعاليًا، بل تقدير دقيق لما يمكن أن يحدث إذا انتقلت مصر من إعلان التضامن السياسي إلى المشاركة العسكرية الفعلية.وإذا صحت التقارير المتداولة عن تهديدات حوثية باستهداف القوات المصرية المشاركة في أي عمليات داخل اليمن، فإن ذلك يرفع مستوى الخطر ويجعل من الضروري إعلان طبيعة المهمة وحدودها بوضوح. لكن يجب التحقق من النص الأصلي لأي تهديد، وعدم التعامل مع كل ما يُتداول على المنصات باعتباره موقفًا رسميًا ثابتًا.والأهم أن نميز بين الدفاع عن السعودية في مواجهة هجمات تستهدف أراضيها، وبين تنفيذ عمليات هجومية داخل اليمن قد تفتح بابًا لردود متبادلة وتصعيد إقليمي واسع.

من حق السعودية أن تطلب الدعم، ومن حق مصر أن تدرس الطلب، لكن من حق المصريين أيضًا أن يعرفوا إلى أين يمكن أن يصل هذا القرار، وما الذي قد يدفعه أبناؤهم من دمائهم وأمنهم واقتصادهم.لا أحد يملك أن يضمن أن حربًا إقليمية ستبقى محصورة في حدودها الأولى، ولا أحد يستطيع أن يتجاهل أن توسع المواجهة قد يهدد طرق التجارة والطاقة والملاحة في البحر الأحمر.ولذلك فإن أول واجبات القيادة المصرية هو حماية مصر من المخاطر، لا الاكتفاء بإعلان الاستعداد لتحملها.

خامسًا: أين كانت هذه الحماسة عندما كانت غزة تنزف؟وهنا نصل إلى السؤال الذي يؤلم ملايين العرب، ويستحق نقاشًا جادًا بعيدًا عن المزايدات.خلال حرب غزة، كان الفلسطينيون يواجهون القتل والدمار والنزوح ونقص الغذاء والدواء، وكانت مصر في قلب المشهد بحكم الجغرافيا والتاريخ ومعبر رفح ودورها السياسي.وقد أعلنت الرئاسة المصرية رسميًا أن مصر تعمل على إدخال المساعدات إلى غزة، ووقف الحرب، وحماية الفلسطينيين من تداعياتها.

وفي المقابل، في أغسطس 2025 تقريرًا عن شحنات مساعدات لغزة واجهت تأخيرات وقيودًا عند معبر كرم أبو سالم الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، مع الإشارة إلى صعوبات واجهها العاملون في مجال الإغاثة.

كان السييي يرفض إدخال المساعدات الي اهل غزة. باوامر اسرائيليه اين كانت سعتها العروبه ام فلسطين لا تملك المال ويظهر الرئيس المصري. المشهور. باسمه الحركي مسيلمه الكذاب وهم يقول لا اريد. هلاك 100 مليون مصري في حروب. اما الان فهو تحت امر توجيهات الملك سلمان. وتحت أومر توجيهات محمد بن سلمان. يا العار

وهذا يعني أن الصورة تحتاج إلى تدقيق في المسؤوليات: فالمعابر والقيود الإسرائيلية والظروف الأمنية والسياسية عوامل لا يجوز تجاهلها، كما لا يجوز أن تكون ذريعة لإعفاء أي جهة من المساءلة عن القرارات التي تقع ضمن سلطتها.لكن السؤال السياسي يبقى قائمًا: هل كان الموقف العربي، بما فيه الموقف المصري، على مستوى الكارثة الإنسانية التي عاشها الفلسطينيون؟ وهل استُخدمت كل أوراق الضغط الممكنة لوقف الحرب وإدخال المساعدات وحماية المدنيين؟إذا كانت مصر تستطيع أن تعلن استعدادها للتحرك العسكري دفاعًا عن حليف عربي، فمن حق الناس أن يسألوا عن حدود قدرتها على التحرك السياسي والدبلوماسي والإنساني لحماية الشعب الفلسطيني، وعن الأدوات التي استخدمتها للضغط من أجل وقف القتل وإدخال الغذاء والدواء.هذا ليس اتهامًا لمصر أو لشعبها، فالشعب المصري لم يتوقف عن التعبير عن تضامنه مع فلسطين، ولا يجوز تحميله مسؤولية قرارات السلطة. إنه سؤال عن أولويات القيادة، وعن التوازن بين الالتزامات الإقليمية، وعن الطريقة التي تُستخدم بها قوة الدولة ومكانتها.أما الحديث عن أن مصر تلقت 94 مليار دولار مقابل رفض دخول حرب غزة أو منع الإمدادات للفلسطينيين، فهو ادعاء كبير لا يصح تقديمه باعتباره حقيقة ثابتة من دون وثائق ومصادر موثوقة توضح قيمة الأموال، والجهات التي قدمتها، وتواريخها، وطبيعتها، وما إذا كان هناك أي ارتباط موثق بينها وبين قرارات عسكرية أو إنسانية. وحتى تتوافر تلك الأدلة، يجب أن يظل هذا الادعاء محل تحقق، لا أساسًا وحيدًا لبناء الاتهام.ومع ذلك، فإن غياب الدليل على صفقة محددة لا يلغي حقنا في نقد السياسات، ولا يمنعنا من المطالبة بكشف الحقائق المالية، ولا يفرض علينا الصمت إزاء القرارات التي تمس حياة الشعوب.سادسًا: الجيش المصري ليس ملكًا للحاكمالجيش المصري مؤسسة وطنية عريقة، وتاريخه أكبر من أي رئيس، ومكانته لا تستمدها من شخص يجلس في القصر، بل من دوره في حماية الوطن ومن تضحيات أجيال من الجنود والضباط.ومن هنا، فإن أخطر ما في أي قرار عسكري ليس مجرد احتمال الخسائر، بل أن يشعر المواطن بأن جيشه قد يتحرك في مهمة لا يعرف حدودها، أو أن السياسة الخارجية باتت تُدار بطريقة لا تشرح للشعب مبرراتها وأهدافها.لا يجوز اختزال الجيش في شخص الرئيس، ولا التعامل معه بوصفه أداة لإثبات الولاء السياسي، ولا تقديم أرواح الجنود على أنها تفصيل يمكن تجاوزه في خطاب عن التضامن مع الحلفاء.

إن احترام القوات المسلحة يبدأ باحترام طبيعة مهمتها، وبتحديد أهداف أي تدخل عسكري وحدوده، وبضمان أن يكون القرار قائمًا على تقدير مهني واستراتيجي للمخاطر والمكاسب، لا على الاندفاع أو الضغوط.والقائد الحقيقي لا يُقاس بقدرته على إعلان الاستعداد للحرب فحسب، بل بقدرته على تجنب الحرب غير الضرورية، وحماية جنوده، وصون استقلال قراره، وإقناع شعبه بأن كل خطوة تُتخذ باسم الوطن تستند إلى مصلحة وطنية واضحة.سابعًا: من حق الشعب أن يسأل.. ومن واجب البرلمان أن يراجع عندما يطلب الرئيس تفويضًا من البرلمان بشأن احتمال إرسال قوات لمساندة السعودية، فإن الأمر لا ينبغي أن يتحول إلى إجراء شكلي أو تصويت سريع ينتهي قبل أن يعرف المواطنون تفاصيل المهمة.يجب أن تكون هناك إجابات واضحة عن الأسئلة الأساسية: ما طبيعة المساعدة العسكرية المقترحة، وما حدودها الجغرافية والعملياتية؟ هل تقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية، أم تشمل عمليات داخل اليمن؟ ما الأساس الدستوري والقانوني للتدخل، وما مدة التفويض المطلوب؟ ما تقدير المخاطر على القوات المصرية وعلى الأمن القومي، بما في ذلك البحر الأحمر وقناة السويس؟ ما التكلفة المالية المتوقعة، وكيف ستتحملها الدولة في ظل الأعباء الاقتصادية؟* ما خطة الخروج من المهمة، وما الضمانات التي تمنع تحولها إلى حرب طويلة؟ هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة وطنية. ومن يثق في قراره ينبغي ألا يخشى مناقشته، ومن يرى أن التدخل ضرورة استراتيجية عليه أن يشرح للشعب لماذا هو ضرورة، لا أن يكتفي بالشعارات العامة.

إن التفويض العسكري ليس شيكًا على بياض، والبرلمان ليس مجرد ديكور، والشعب ليس آخر من يعلم عندما يتعلق الأمر بأبنائه ومستقبله.ثامنًا: لا نريد حربًا ضد السعودية، بل نريد قرارًا مصريًا مستقلًاحتى لا يزايد أحد على مضمون هذا المقال، أقول بوضوح: نحن لا ندعو إلى ترك السعودية تواجه الخطر وحدها، ولا نبرر استهداف أراضيها أو منشآتها المدنية، ولا نعتبر التضامن العربي ضعفًا.لكن التضامن العربي الحقيقي لا يقوم على التبعية، ولا على أن تتنازل دولة عن استقلال قرارها، ولا على أن تدخل حربًا من دون إعلان أهدافها وحدودها ومخاطرها.

مصر والسعودية دولتان كبيرتان، ولكل منهما مصالحها ومسؤولياتها. ومن مصلحة البلدين أن تقوم العلاقة بينهما على الاحترام المتبادل والتشاور والشفافية، لا على لغة قد يفهم منها أن قرار إحداهما العسكري يصدر بتوجيه من الأخرى.ولذلك فإن الاعتراض ليس على التعاون مع السعودية، وإنما على الصياغة التي أثارت سؤالًا خطيرًا عن استقلال القرار المصري. وإذا كان المقصود هو التنسيق، فليُشرح ذلك بوضوح. وإذا كان هناك قرار بالتدخل العسكري، فلتُعلن تفاصيله وضماناته وأهدافه أمام الشعب.أما أن يظل المواطنون أمام تساؤلات عن المال والودائع والحرب، فلا يجوز أن يُطلب منهم السكوت بحجة أن الوقت ليس وقت الأسئلة، بل إن وقت الأسئلة هو قبل الحرب، لأن السؤال بعد سقوط الضحايا لا يعيد الجندي إلى أسرته، ولا يصلح اقتصادًا استنزفته المواجهة، ولا يعالج الضرر الذي قد يصيب أمن البلاد.

مصر ليست للبيع.. والجيش المصري ليس ورقة في مفاوضات المالإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة هو أن يفقد شعبها الثقة في استقلال قرارها، وأن يصبح كل تحرك سياسي أو عسكري محاطًا بشكوك لا تجد إجابات واضحة.والوديعة السعودية البالغة 5.3 مليار دولار ملف مالي يستحق الشفافية، والاستعداد للدفاع عن السعودية قرار يستحق النقاش الدستوري والاستراتيجي، والموقف من غزة قضية أخلاقية وإنسانية وسياسية تستحق مراجعة صريحة. لكن جمع هذه الملفات في صورة واحدة لا يثبت وحده وجود صفقة سرية؛ الذي يحسم ذلك هو الوثائق والأدلة، لا التخمين.ومع ذلك، فإن من حقنا أن نسأل: لماذا تُقال الكلمات بهذه الطريقة؟ ولماذا يُعلن الاستعداد العسكري في لحظة تتفاوض فيها الدولة على تجديد وديعة ضخمة؟ وما الذي سيحصل عليه الشعب المصري في المقابل، وما المخاطر التي سيتحملها؟ وهل ستكون هناك حدود واضحة لأي تدخل، أم أن مصر قد تجد نفسها في مواجهة لا تملك التحكم في نهايتها.

مصر أكبر من أن تُختزل في أزمة دولار، وأكبر من أن يُختزل قرارها العسكري في عبارة ملتبسة، وأكبر من أن يُطلب من شعبها أن يثق بلا تفسير.إن الجيش المصري ليس ملكًا للرئيس، ولا ملكًا لأي حليف، ولا ورقة تفاوض في ملف الودائع والمساعدات. إنه جيش وطن، ودماء جنوده أمانة في عنق القيادة، وقرار الحرب يجب أن يكون مصريًا مستقلًا، واضح الأهداف، محسوب النتائج، وخاضعًا للمساءلة الدستورية.وإذا كان الرئيس يرى أن الدفاع عن السعودية ضرورة للأمن القومي المصري، فليقدم الدليل الاستراتيجي، وليشرح حدود المهمة، وليضمن أن مصر لن تُدفع إلى حرب مفتوحة. أما إذا كان القرار يتأثر بأي حسابات مالية، فإن الشعب يستحق أن يعرف، لأن السيادة الوطنية لا تُقاس بحجم الأموال التي تدخل خزائن الدولة، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الذي يخدم شعبها دون أن ترتهن إرادتها.مصر ليست للبيع، والجيش المصري ليس ورقة مالية، والسيادة الوطنية ليست بندًا في مفاوضات تجديد الودائع.

ويبقى السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد: حين يتخذ رئيس مصر قرارًا قد يضع أبناءها في قلب حرب إقليمية، فمن الذي يحدد مصلحة مصر أولًا، ومن يحاسب إذا دُفعت فاتورة القرار من دماء الجنود وأموال الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى