رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: حين تحرق الحروب اقتصاد العالم…هل دخل الكوكب مرحلة الطوارئ؟

هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بالأيام والسنوات، وإنما بما تتركه من أثر في شكل العالم بعد انتهائها.

واليوم يبدو أن العالم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات.سبع دول كبرى، هي الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان، لم تجتمع هذه المرة لمناقشة ملف سياسي عابر، وإنما أمام أزمة دفعتها إلى فتح خزائن الطوارئ النفطية، والإعلان عن الإفراج المنسق عن 100 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية، في محاولة لتهدئة أسواق الطاقة التي تعيش اضطرابًا حادًا. (pm.gc.ca)، وهنا يجب أن نتوقف.

عندما تبدأ الدول الكبرى في استخدام احتياطيات الطوارئ، فهذه ليست رسالة اقتصادية عادية.إنها رسالة تقول إن الأزمة تجاوزت حدود المضاربة في الأسواق، وأصبحت تمس أمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحياة المواطنين.

مضيق هرمز… نقطة صغيرة تهتز عندها الكرة الأرضية
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي على الخريطة…إنه أحد الشرايين الرئيسية التي يمر عبرها النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

وكانت وكالة الطاقة الدولية قد قالت في مارس 2026 إن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية كانت تمر عبر المضيق في 2025، أي نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية. (IEA)، ولهذا فإن أي اضطراب طويل في هرمز لا يبقى مشكلة خليجية أو إيرانية أو أمريكية.
إنه يتحول سريعًا إلى مشكلة أوروبية وآسيوية وأمريكية، ثم إلى مشكلة للمستهلك في كل مكان.
ارتفاع سعر النفط يعني ارتفاع كلفة النقل، والكهرباء، والصناعة، والغذاء، والخدمات، وبعبارة أبسط: الحرب في مكان واحد يمكن أن تصل فاتورتها إلى بيت المواطن في مكان آخر يبعد عنها آلاف الكيلومترات.100 مليون برميل… ولكن لماذا الآن؟..

قرار مجموعة السبع بالإفراج عن 100 مليون برميل يأتي بعد تحرك أكبر شهدته الأسواق في مارس، عندما وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة لمواجهة اضطرابات سوق النفط الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط (IEA) والسؤال هنا ليس فقط: كم برميلًا ستضخ الدول؟ السؤال الأخطر هو: كم بقي لديها إذا استمرت الحرب؟.

الاحتياطيات الاستراتيجية صُممت أساسًا للأزمات الكبرى، وليست خزائن مفتوحة إلى الأبد، وهذا ما يجعل القرار الجديد مهمًا، فمجموعة السبع تقول إنها ستبدأ الإفراج فورًا، وعلى مدى أربعة أشهر، مع طرح كمية كبيرة من الديزل خلال أول 20 يومًا، كما طلبت متابعة تأثير الإجراءات وإمكانية اتخاذ خطوات إضافية إذا استمرت الأزمة، أي أن العالم لا يتعامل مع أزمة يوم أو أسبوع.
.روسيا وأوكرانيا وإيران… أزمات تتقاطعالحرب الروسية الأوكرانية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين.لقد أعادت رسم أسواق الطاقة والغذاء والنقل والتجارة الدولية.ثم جاءت الحرب في الشرق الأوسط واضطرابات مضيق هرمز لتضيف طبقة جديدة من الضغط.وهكذا أصبح العالم أمام أزمات متداخلة: حرب في أوروبا، توتر عسكري في الشرق الأوسط، اضطراب في حركة النفط، ارتفاع في أسعار الوقود، وضغط متزايد على الحكومات والمواطنين.وفي أوروبا تحديدًا، أصبحت الطاقة قضية سياسية واجتماعية بقدر ما هي قضية اقتصادية.والولايات المتحدة نفسها تواجه ضغوطًا مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، بينما تحاول الحكومات الغربية منع انتقال أزمة الطاقة إلى تضخم أكبر يضغط على الأسر والشركات.
هل تستطيع أمريكا إنهاء الحرب عسكريًا؟هنا يجب أن نفرق بين القدرة العسكرية وبين القرار السياسي.امتلاك دولة لقوة عسكرية هائلة لا يعني بالضرورة أن استخدامها الكامل هو الخيار الذي ستختاره.الحرب ليست قنبلة فقط.الحرب حسابات سياسية واقتصادية واستراتيجية، وحسابات لما سيحدث في اليوم التالي.
قد تستطيع الولايات المتحدة توجيه ضربات هائلة إلى أهداف عسكرية، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا سيحدث بعد الضربة؟هل يتوقف النفط؟ هل يفتح مضيق هرمز؟ هل تتوقف الصواريخ؟ هل تتراجع أسعار الطاقة؟ أم يدخل العالم في دائرة جديدة من التصعيد؟ ولهذا فإن النفط حاضر في كل الحسابات…ليس لأن الدول الكبرى لا تستطيع الحرب، وإنما لأن الحرب نفسها يمكن أن تدمر الاستقرار الذي تحاول هذه الدول حمايته.
السلاح النووي… عندما تصبح قوة الردع خطرًا على الجميع، ولا يمكن الحديث عن مستقبل الحروب الحديثة دون التوقف أمام السلاح النووي.
العالم الذي عرف هيروشيما وناجازاكي في عام 1945 لم يعد يعيش في عصر الأسلحة نفسها.قنبلتا هيروشيما وناجازاكي كانتا بقدرة تقارب 15 و20 كيلوطنًا، بينما تمتلك الترسانات الحديثة أسلحة نووية حرارية تتجاوز 100 كيلوطن في بعض الحالات، وبعضها أكبر بكثير. (ICAN)وهنا تكمن المفارقة.كلما تطورت التكنولوجيا العسكرية، أصبحت قدرة الإنسان على تدمير نفسه أكبر، ولهذا فإن الحديث عن السلاح النووي يجب ألا يكون حديثًا عن «الانتصار» فقط، بل عن حجم الكارثة التي يمكن أن تقع إذا خرجت المواجهة عن السيطرة.
هل يتغير تاريخ الأرض خلال أشهر؟ربما يكون من المبالغة القول إن تاريخ الأرض سيتغير حتمًا خلال الأشهر القادمة.د، لكن المؤكد أن العالم دخل مرحلة شديدة الحساسية، فالقرار الذي اتخذته مجموعة السبع ليس منفصلًا عن أزمة أكبر.الدول الكبرى بدأت تستخدم أدوات الطوارئ، وأسواق الطاقة تتأثر بالحروب، ومضيق استراتيجي مثل هرمز أصبح محورًا في حسابات الأمن العالمي.وحتى مجموعة السبع نفسها دعت في بيانها إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وأكدت أنها ستراقب تأثير الإجراءات على أمن الطاقة واستقرار الأسواق. (pm.gc.ca)وهذا يعني أن الأزمة لم تعد محصورة في ساحة القتال…لقد انتقلت إلى الأسواق والمصانع والموانئ ومحطات الوقود وميزانيات الأسر.
العالم لا يحترق بالنار فقطأنا لا أرى الخطر الحقيقي في أن ترتفع أسعار النفط وحدها.الخطر في تراكم الأزمات…حرب هنا…مضيق مغلق هناك…أسواق مضطربة…احتياطيات طوارئ تُفتح…حكومات تخشى غضب الشارع…شركات تواجه تكاليف أعلى، ومواطن يسأل في النهاية سؤالًا بسيطًا: من سيدفع ثمن كل هذه الحروب؟والجواب يعرفه العالم منذ سنوات: المواطن هو الذي يدفع…يدفع في الوقود….وفي الغذاء…وفي النقل…وفي الكهرباء…وفي الضرائب…وفي فقدان فرص العمل، ثم يأتي السؤال الأكبر:إلى أين يتجه هذا العالم؟ هل نحن أمام أزمة مؤقتة يمكن احتواؤها؟أم أمام بداية إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي والسياسي العالمي؟لا أحد يستطيع أن يقدم اليوم إجابة نهائية، لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا: عندما تبدأ الدول السبع الكبرى في فتح احتياطيات الطوارئ النفطية، فهذه لحظة تستحق أن يتوقف عندها العالم كله.قد تنتهي الحرب غدًا، وقد تستمر أشهرًا، وقد تتوسع أو تنحسر، لكن التاريخ لا ينتظر أحدًا، والأشهر القادمة قد تكون أهم من سنوات كاملة مضت، ليس لأن نهاية العالم أصبحت حتمية، وإنما لأن قرارات القوى الكبرى في هذه اللحظة قد تحدد شكل العالم الذي سيعيش فيه أبناؤنا غدًا.
العالم لا يحتاج إلى حرب جديدة تثبت من هو الأقوى…العالم يحتاج إلى عقل يوقف النار قبل أن تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة عالمية، وقبل أن تتحول الحسابات العسكرية إلى كارثة لا يستطيع أحد السيطرة عليها.فالأرض واحدة… وإذا اشتعلت، فلن يسأل الحريق عن جنسية أحد.



