رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: ترامب…عندما يتحول جنون القوة إلى فاتورة يدفعها الشعب الأمريكي

ترامب لا يدير حربًا من غرفة عمليات فقط… إنه يديرها بعقلية رجل يريد أن ينتصر في الصورة قبل أن ينتصر على الأرض، وهنا تكمن الكارثة…رئيس الدولة الأعظم في العالم يستطيع أن يرفع شعار «النصر» كل صباح، وأن يطلق التصريحات النارية، وأن يتحدث عن قوة أمريكا التي لا تُقهر، لكن هناك شيئًا واحدًا لا يستطيع أن يخفيه عن المواطن الأمريكي: الفاتورة..فاتورة الصواريخ..فاتورة الطائرات..فاتورة السفن..فاتورة الجنود..فاتورة النفط..فاتورة التضخم وفاتورة الحرب التي بدأت بشعارات القوة وانتهت إلى سؤال بسيط يطارد البيت الأبيض: إلى متى سيدفع الشعب الأمريكي ثمن قرارات ترامب؟.

أنا لا أصف ترامب بتشخيص طبي؛ لكنني أقول إن ما نراه من اندفاع وتصعيد واستخدام مفرط للقوة يكشف، في رأيي، عقلية سياسية متهورة لا ترى في الحرب إلا استعراضًا للقوة، بينما يدفع المواطن العادي ثمن هذا الاستعراض من جيبه ومستقبل أبنائه.لقد وعد الأمريكيين بالحسم.ثم جاءت الحرب، ثم جاءت العقوبات.ثم جاءت أزمة الطاقة، ثم جاءت مليارات الدولارات من الإنفاق العسكري.
والآن، بعد أشهر من المواجهة، ما زالت إيران موجودة، وما زال النظام قائمًا، وما زالت واشنطن تبحث عن أدوات اقتصادية وسياسية لإجبار طهران على تقديم ما لم تستطع الحرب انتزاعه.فأين هو النصر؟ وأين ذهب وعد ترامب بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة؟إن أحدث التقديرات الأمريكية تشير إلى أن الحرب أصبحت عبئًا كبيرًا على دافع الضرائب، مع تقدير تكلفة لا تقل عن نحو 1,200 دولار لكل أسرة أمريكية عند احتساب الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وغيرها من الآثار. (Center for American Progress)وهنا أقولها بصراحة:ترامب يستطيع أن يعلن النصر… لكن لا يستطيع أن يجعل المواطن الأمريكي يأكل البيانات الصحفية بدل الطعام.لا يستطيع أن يضع بيانًا عسكريًا في خزان سيارة الأمريكي.ولا يستطيع أن يدفع فاتورة الكهرباء بشعار «أمريكا أولًا»، ولا يستطيع أن يسدد ديون الحرب من كلمات البطولة.

الحرب لها ثمن، والشعب هو الذي يدفع.والأخطر أن الحرب لم تعد بعيدة عن حياة الأمريكيين.لقد دخلت إلى أسعار الطاقة، وإلى الأسواق، وإلى تكلفة الاقتراض، وإلى الموازنة الفيدرالية. وتزامن ذلك مع وصول الدين الأمريكي إلى مستويات قياسية، بينما تواصل الحرب الضغط على الاقتصاد والطاقة. (Financial Times) وهنا يصبح السؤال سياسيًا وأخلاقيًا: هل من حق رئيس أن يفتح حربًا ضخمة ثم يترك شعبه يدفع ثمنها سنوات طويلة؟ترامب يريد أن يكتب في التاريخ أنه الرجل الذي أخضع إيران.لكن التاريخ قد يسأله سؤالًا آخر: ماذا حققت لأمريكا مقابل كل هذه المليارات؟ إيران لم تسقط..النظام لم يسقط..الحرب لم تنتهِ كما كان متوقعًا، ومضيق هرمز أصبح في قلب الصراع.والولايات المتحدة وجدت نفسها أمام عقوبات جديدة وحرب اقتصادية جديدة، بعد أشهر من العمليات العسكرية، وحتى الحملة الاقتصادية الأخيرة لم تحقق الصدمة التي توقعها بعض المستثمرين والمراقبين (Reuters…إنها دخلت إلى جيب المواطن الأمريكي.
وتشير تقديرات أمريكية إلى أن تكلفة الحرب المباشرة وغير المباشرة أصبحت ضخمة، فيما تواجه واشنطن أيضًا تكاليف طويلة الأجل مرتبطة بإعادة بناء المخزونات العسكرية وخدمة الديون والآثار الاقتصادية للحرب. (Center for American Progress).

الحرب التي تبدأ بالشعارات… تنتهي بالفاتورة
كل حرب تبدأ بكلمات كبيرة: الأمن القومي..الدفاع عن الوطن..القضاء على الخطر..حماية المصالح الأمريكية، لكن بعد انتهاء الخطب تبدأ الحسابات..كم دفعنا؟ كم خسرنا؟ وماذا حصلنا في المقابل؟ وهنا تبدأ الكارثة، لأن الحرب لا تنتهي عندما تتوقف الطائرات عن التحليق.
أحيانًا تبدأ الحرب الحقيقية عندما تصل الفاتورة..فاتورة إعادة تسليح الجيش..فاتورة علاج الجنود..فاتورة تعويضات المحاربين..فاتورة الطاقة..فاتورة التضخم..فاتورة الديون..وفاتورة الفرص الاقتصادية التي ضاعت لأن مليارات الدولارات ذهبت إلى الحرب بدلًا من البنية التحتية والصحة والتعليم.
مضيق هرمز… الورقة التي قلبت المعادلة
ثم جاءت الورقة الأخطر: مضيق هرمز.هذا ليس مجرد ممر مائي، إنه واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.وعندما تصبح حركة النفط عبره موضع مواجهة، فإن القضية لا تعود إيرانية أمريكية فقط.إنها قضية الاقتصاد العالمي كله.
وقد أصبحت الملاحة في المضيق محورًا رئيسيًا للمواجهة، مع استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران حول وضعه، وتهديدات وعقوبات مرتبطة بحركة السفن والطاقة. (Reuters)، ومن وجهة نظري، هنا استطاعت إيران أن تنقل المعركة إلى ملعب آخر.أمريكا تستطيع قصف إيران.لكن إيران تستطيع أن تجعل العالم كله يسأل: ماذا سيحدث للنفط إذا طال أمد الأزمة؟ وهنا تصبح القوة العسكرية الأمريكية أقل بساطة مما تبدو عليه في نشرات الأخبار.لأنك تستطيع أن تربح معركة جوية…لكن ماذا تفعل إذا تحولت نتائج الحرب إلى أزمة طاقة عالمية؟.

اليورانيوم… السؤال الذي لم تجب عنه الحرب
وهناك سؤال أخطر لا يزال معلقًا:أين أصبح مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب؟ قبل الضربات، كانت تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى وجود نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب إلى 60%.وبعد الضربات على المواقع النووية الرئيسية، لم تعد الوكالة قادرة على التحقق بصورة كاملة من مكان وحالة هذا المخزون، بعد تعليق إيران التعاون معها. (Al Jazeera) وهنا تظهر المفارقة.
إذا كانت المنشآت قد تعرضت للقصف، فهذا لا يعني بالضرورة أن كل المادة النووية الموجودة داخلها قد دُمّرت.المبنى يمكن تدميره، لكن المادة يمكن نقلها، ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط:هل دُمرت المنشآت؟ بل: أين اليورانيوم؟ومن يملك الإجابة؟وأي دولة تستطيع أن تقول للعالم بثقة إن كل المخزون قد دُمّر؟حتى الآن، لا توجد إجابة دولية نهائية قابلة للتحقق الكامل، وهذا وحده كافٍ لإسقاط فكرة أن الحرب أغلقت الملف النووي الإيراني نهائيًا. (Al Jazeera)
«النصر الاقتصادي»… لماذا الآن؟ ثم تأتي المفارقة الكبرى.بعد أشهر من الحرب، تعلن واشنطن حملة اقتصادية جديدة ضد إيران..عقوبات..حصار مالي..استهداف شركات وسفن..ضغط على الدول التي تتعامل مع طهران.
وفي 24 أغسطس أعلنت إدارة ترامب حملة جديدة وصفتها بأنها هجوم اقتصادي واسع، استهدفت عشرات الكيانات المرتبطة بإيران. (Reuters).
إذا كان النصر العسكري قد حسم الحرب، فلماذا تحتاج واشنطن إلى حرب اقتصادية جديدة؟ إذا كانت إيران قد هُزمت، فلماذا تحتاج إلى خنق اقتصادها؟ إذا كان النظام قد انتهى، فلماذا ما زال قائمًا؟إذا انتهى الملف النووي، فلماذا لا تزال قضية اليورانيوم مطروحة؟وإذا أصبحت أمريكا صاحبة اليد العليا، فلماذا أصبح مضيق هرمز عنصرًا أساسيًا في الحسابات؟هذه ليست أسئلة دعائية.إنها أسئلة استراتيجية.

أمريكا لم تهزم إيران… وإيران لم تهزم أمريكا عسكريًاولكي أكون واضحًا:أنا لا أقول إن إيران خرجت من الحرب بلا خسائر.لقد دفعت ثمنًا كبيرًا.ولا أقول إن الولايات المتحدة لم تحقق تفوقًا عسكريًا.لقد أثبتت واشنطن قدرتها على توجيه ضربات هائلة.لكنني أتحدث عن نتيجة الحرب السياسية والاستراتيجية.وهنا أرى أن الصورة مختلفة..إيران بقيت.النظام بقي..القدرة على المقاومة بقيت..ورقة الطاقة بقيت..والملف النووي لم يُغلق بالكامل..والولايات المتحدة انتقلت إلى العقوبات والضغط الاقتصادي، وهذا، في رأيي، ليس شكل الانتصار الحاسم الذي وُعد به الشعب الأمريكي.
ترامب أمام أصعب سؤال ترامب يستطيع أن يقول:أمريكا انتصرت، لكن الشعب الأمريكي يستطيع أن يسأل: ماذا ربحنا؟هل أصبحت أمريكا أكثر أمنًا؟هل أصبحت الطاقة أرخص؟هل انخفض الدين؟هل أصبح الاقتصاد أقوى؟هل انتهت إيران؟ هل سقط النظام؟هل انتهى الملف النووي؟ هل عادت المنطقة إلى الاستقرار؟ أم أننا أمام حرب جديدة، وعقوبات جديدة، وفاتورة جديدة، ومواجهة جديدة؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن يطرحها المواطن الأمريكي.
من المستفيد من الحرب؟
إيران تخوض حرب وجود من وجهة نظري، إيران لا ترى هذه الحرب كمعركة سياسية عابرة..إنها تراها حرب وجود، وهذا يفسر لماذا لم تستسلم…الدولة التي تعتقد أن الحرب تستهدف وجود نظامها ودولتها لن تتصرف مثل دولة تخوض نزاعًا حدوديًا عاديًا..ستقاوم..ستنتظر..ستستخدم كل أوراقها، وهذا بالضبط ما أراه في المشهد الإيراني..إيران لا تقول:«كيف نخرج من الحرب بأقل خسائر؟» بل تقول:«كيف نبقى؟»والإجابة حتى الآن: لقد بقينا.
المعركة الحقيقية بدأت بعد الحرب، وهنا أصل إلى أخطر نقطة في هذا المقال…المعركة لم تعد فقط بين الطائرات والصواريخ، المعركة أصبحت بين: اقتصاد أمريكا واقتصاد إيران..بين ميزانية واشنطن وقدرة طهران على الاحتمال..بين النفط والعقوبات..بين هرمز والبحرية الأمريكية..بين الدولار والشبكات التجارية الإيرانية، وهذه حرب قد تكون أطول بكثير من الحرب العسكرية نفسها.
إيران انتصرت لأنها لم تسقطمن وجهة نظري، هذا هو تعريف الانتصار في هذه الحرب…إيران لم تحتل أمريكا، ولم تكن قادرة على ذلك.لكنها لم تكن بحاجة إلى احتلالها.كان هدفها الأساسي هو ألا تُسقط.وألا تستسلم.وألا ينهار نظامها.وأن تحتفظ بأوراق ضغط.وقد نجحت في ذلك، بحسب قراءتي السياسية للمشهد.إيران بقيت، وهذا وحده نسف الهدف الأكبر الذي كان يفترض أن تحققه الحرب، أما أمريكا، فخرجت بقوة عسكرية هائلة، لكنها وجدت نفسها أمام معركة اقتصادية وسياسية واستراتيجية مفتوحة.
الهزيمة التي لا تُعلن في البيانات، الهزيمة ليست دائمًا أن تخسر معركة.أحيانًا تكون الهزيمة أن تدخل الحرب بهدف محدد ثم تجد نفسك مضطرًا إلى تغيير الهدف.تدخل لإسقاط نظام…فتصبح مهمتك خنق اقتصاده، تدخل لتدمير البرنامج النووي، فتبحث عن مكان اليورانيوم، تدخل لتغيير المعادلة، فتصبح قضية مضيق هرمز جزءًا من المفاوضات، تدخل لتفرض إرادتها، فتجد نفسك تفاوض على كيفية إنهاء الحرب..هذه هي الهزيمة الاستراتيجية كما أراها.
ترامب… من «النصر» إلى الفاتورة
وهنا يعود السؤال إلى الرئيس ترامب…قد تستطيع أن تنتصر في الخطاب.قد تستطيع أن ترفع قبضتك أمام الكاميرات.قد تستطيع أن تقول: لقد انتصرنا، لكن المواطن الأمريكي لن يعيش داخل الخطاب.سيعيش داخل الاقتصاد.وسيدفع في محطة الوقود.وسيدفع عند شراء الطعام، وسيدفع في الضرائب، وسيدفع في فوائد القروض، وسيدفع، في النهاية، من مستقبل أبنائه إذا تحولت مليارات الحرب إلى ديون طويلة الأجل، ولهذا أقول: ترامب يستطيع أن يعلن النصر… لكنه لا يستطيع أن يجعل الشعب الأمريكي يأكل النصر.

الكلمة الأخيرة من وجهة نظري ككاتب، هذه الحرب كشفت شيئًا أخطر من مجرد مواجهة بين أمريكا وإيران..كشفت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن إسقاط المباني ليس إسقاطًا للدول..وأن ضرب المنشآت لا يعني بالضرورة إنهاء البرامج، وأن إعلان الانتصار لا يعني تحقيق الأهداف، وأن الحرب التي تبدأ من البيت الأبيض قد تنتهي في جيوب المواطنين..إيران لم تسقط، النظام الإيراني لم يسقط، الحرب لم تنتهِ كما وُعد الأمريكيون، والملف النووي لم يُغلق نهائيًا.
اليورانيوم الإيراني لا يزال جزء من معادلة لم تستطع الوكالة الدولية التحقق منها بالكامل، ومضيق هرمز أصبح ورقة استراتيجية في قلب المواجهة.
وفي المقابل، واشنطن تعود إلى العقوبات، وتعود إلى الضغط الاقتصادي، وتبحث عن مخرج سياسي،ثم تصل الفاتورة إلى المواطن الأمريكي، وهنا أقولها بأعلى صوت: ترامب أراد أن يجعل إيران تدفع ثمن الحرب… فإذا بالشعب الأمريكي يجد الفاتورة فوق مائدة العشاء.
قد يختلف البعض معي في وصف من انتصر ومن هُزم.وهذا حقهم.لكن هناك حقيقة لا يستطيع أي خطاب سياسي أن يخفيها: الحرب لها ثمن، والسؤال الذي سيبقى يطارد ترامب ليس:كم صاروخًا أطلقت أمريكا؟ بل كم دفع الأمريكيون ثمنًا لهذه الحرب… وماذا حصلوا في المقابل؟…هنا فقط سيكتب التاريخ حكمه.



