رئيس التحرير عزت الجمال يكتب: الكعبة ليست وقودًا للحرب…من كسوة إبستين إلى ديون النفط وحرب اليمن

هناك قضية أخطر من النفط، وأخطر من الديون، وأخطر من الحرب نفسها…إنها الكعبة المشرفة، لأن النفط يمكن أن ينضب، والمال يمكن أن يُعوَّض، والحكومات تتغير، والحروب تنتهي، لكن مكة والكعبة ليستا ملكًا لحاكم أو حكومة أو حزب أو طائفة.
الكعبة قبلة أكثر من ملياري مسلم.هناك ذرفت دموع الملايين، وهناك رفعوا أيديهم بالدعاء، وهناك وقف المسلم السني والشيعي وغيرهما أمام بيت الله، لا يحمل إلا قلبه ودعاءه.

ولهذا فإن أي محاولة لتحويل مكة إلى ورقة سياسية أو سلاح طائفي هي لعب بالنار…كسوة الكعبة في ملف جيفري إبستين، وهنا تأتي واحدة من أكثر القضايا إثارة للصدمة في الملفات التي ظهرت حول جيفري إبستين.
الوثائق المنشورة من ملفات التحقيق تتضمن مراسلات في عام 2017 بشأن شحن قطع وُصفت بأنها من كسوة الكعبة إلى الولايات المتحدة. وتظهر إحدى المراسلات أن قطعة سوداء وُصفت بأنها لامسها ما لا يقل عن عشرة ملايين مسلم من مذاهب مختلفة، وأنهم تركوا عليها دعواتهم ودموعهم وآمالهم أثناء الطواف.
كما تشير تقارير مستندة إلى الملفات إلى ثلاث قطع، بينها قطعة من داخل الكعبة وقطعة من الغطاء الخارجي، مع قيمة شحن مذكورة تبلغ 10,980 دولارًا. (Yirah.fi).
وهنا أسأل، وبكل صراحة:كيف وصلت قطع وُصفت بأنها من كسوة الكعبة إلى جيفري إبستين؟ من أعطاها؟ من سمح بخروجها؟ ومن كان مسؤولًا عن هذه العملية؟ وهل كانت القطع أصلية بالفعل من الكسوة المستخدمة على الكعبة، أم قطعًا تذكارية أو مواد أخرى؟.

هذه أسئلة مشروعة، ولا يجوز دفنها بالصمت.وأقولها بوضوح: الوثائق التي ظهرت لا تثبت أن محمد بن سلمان شخصيًا أمر بإرسال هذه القطع إلى إبستين، ولذلك لا يجوز تحويل ذلك إلى اتهام شخصي بلا دليل.
لكن ذلك لا يلغي الواقعة التي تحتاج إلى تفسير.فإذا كانت قطعة من كسوة الكعبة قد خرجت بالفعل ووصلت إلى رجل ارتبط اسمه بجرائم جنسية خطيرة، فهذه ليست مسألة عادية.
ليست هدية بروتوكولية، وليست قطعة ديكور، وليست سلعة.إنها رمز ارتبط في وجدان المسلمين بالطواف والدعاء والدموع.يا ولي العهد… أين ذهبت قدسية الرمز؟ يا ولي العهد…أنا لا أطلب منك الدفاع عن شخص أو نظام…أنا أطلب إجابة عن واقعة موثقة في مراسلات وملفات تحقيق.
إذا كانت القطع من كسوة الكعبة، فمن المسؤول عن خروجها؟وإذا لم تكن كذلك، فلماذا وُصفت في المراسلات بأنها من كسوة الكعبة؟المسألة تحتاج إلى الحقيقة، لا إلى الصمت، لأن المسلمين لا ينظرون إلى الكسوة كقطعة قماش، بنظرون إليها كرمز.
ولهذا فإن الحديث عن كسوة الكعبة في ملف إبستين أصاب مشاعر ملايين المسلمين، خصوصًا عندما تتحدث إحدى المراسلات نفسها عن الدموع والدعوات التي ارتبطت بالقطعة. (Yirah.fi)ثم جاءت مكة إلى قلب الحرب، وبينما لا تزال قضية كسوة الكعبة تثير الأسئلة، دخل اسم مكة مرة أخرى إلى قلب الحرب اليمنية.
في 16 سبتمبر 2026 قالت السعودية إنها اعترضت مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، بينما نفى الحوثيون استهداف مكة أو المواقع الدينية. (Reuters)وهنا يجب أن نقول الحقيقة كما هي: هناك رواية سعودية، وهناك نفي حوثي.ولا يجوز للصحافة أن تحول رواية طرف إلى حقيقة نهائية من دون دليل مستقل.

لكن الأخطر من الحادث العسكري هو ما يمكن أن يترتب عليه سياسيًا وطائفيًا، لأنني أقول لكل الأطراف: لا تجعلوا الكعبة وقودًا للحرب.
لا تستخدموا مكة لإشعال السنة ضد الشيعة.ولا تستخدموا الشيعة لتخويف السنة.ولا تستخدموا الحرم لتعبئة الشارع.ولا تجعلوا أقدس مكان لدى المسلمين ذريعة لحرب مذهبية.فإذا ثبت أن هناك استهدافًا لمكة، فليقدم الدليل للعالم.
وإذا لم يثبت، فلا يجوز اختلاق روايات أو استغلال الخوف على الحرم لإشعال المسلمين ضد بعضهم البعض.الكعبة أكبر من الجميع.بلاد الحرمين بين الحرم وصخب الحفلات، وهنا تظهر مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها.
السعودية تشهد منذ سنوات تحولًا واسعًا في قطاع الترفيه، مع حفلات وعروض ومهرجانات وفعاليات غنائية وترفيهية منظمة رسميًا.مرة أخرى، أنا لا أتناول هنا حق الدولة في تنظيم قطاع الترفيه.
أنا أتحدث عن خصوصية بلاد الحرمين.فالسعودية ليست دولة عادية في الوجدان الإسلامي.
إنها بلد مكة والمدينة.ولهذا فإن ملايين المسلمين يسألون عن طبيعة التحول الاجتماعي والثقافي، وعن الحدود بين الانفتاح الاقتصادي والترفيهي وبين خصوصية المكان الذي يحتضن أقدس مقدسات المسلمين.
الحفلات شيء، وقدسية الحرم شيء آخر.
لكن عندما يدخل اسم الكعبة في الحرب، تصبح مسؤولية الدولة أكبر في حماية قدسية المكان من الاستغلال السياسي والإعلامي والطائفي.
انتهى زمن «لا حرب ولا سلم» في اليمنوالآن نصل إلى اليمن.لقد انتهى زمن «لا حرب ولا سلم»…المعادلة تغيرت.
الحوثيون تمكنوا خلال التصعيد الأخير من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة، بينما تواجه السعودية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وضغوطًا على منشآتها ومسارات الطاقة. وتشير تقارير رويترز إلى أن التطورات الأخيرة كشفت نقاط ضعف في القوات اليمنية المدعومة من السعودية، وأعادت ترتيب موازين القوة على الأرض. (Reuters) وهنا السعودية أمام خيارين كلاهما مكلف.التفاوض يعني الدخول في تسوية من موقع مختلف عما كان عليه الوضع سابقًا.
والتصعيد العسكري يعني احتمال الدخول في حرب استنزاف جديدة إذا لم تكن هناك استراتيجية واضحة لنهايتها.والسؤال ليس:من يستطيع إطلاق الصاروخ؟السؤال:من يستطيع إنهاء الحرب؟حين تصبح الحرب خطرًا على النفط نفسه، وهنا نعود إلى بداية المقال.

السعودية تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للقوة الاقتصادية.فإذا أصبحت منشآت النفط وخطوط الإمداد والموانئ أهدافًا للحرب، فإن الحرب لا تضرب الجيش فقط.إنها تضرب الاقتصاد.وفي سبتمبر 2026 تعرض خط أنابيب سعودي رئيسي لهجمات بالطائرات المسيّرة، واضطرت السعودية إلى إعادة ترتيب بعض شحنات النفط عبر سلطنة عُمان، بينما توقفت شحنات من ميناء ينبع مؤقتًا وفق تقارير نقلتها رويترز. (Reuters)وهنا يصبح السؤال أخطر:هل الحرب التي بدأت في اليمن أصبحت تهدد الثروة التي تعتمد عليها السعودية في تمويل مستقبلها؟حين يصبح النفط السعودي ضمانة الاقتراض، وهنا أصل إلى عنوان القضية:حين يصبح النفط السعودي ضمانة الاقتراض، يصبح مستقبل السعودية رهينة البنوك.السعودية تنتج ملايين البراميل من النفط يوميًا، وتمتلك احتياطيات ضخمة. فأين ذهبت هذه الثروة؟ لماذا أصبح الاقتراض جزءًا متكررًا من إدارة الاقتصاد؟.
الأرقام الرسمية تقول إن الدين الحكومي السعودي بلغ نحو 1.685 تريليون ريال في الربع الثاني من 2026، بينما قدرت وزارة المالية الاحتياجات التمويلية لعام 2026 بنحو 217 مليار ريال. وهذه أرقام الدين الحكومي الرسمي، وليست مجموع كل التزامات الشركات والصناديق المرتبطة بالدولةوهنا يجب ألا نخلط بين الدين الحكومي وبين ديون أرامكو أو صندوق الاستثمارات العامة أو الشركات الحكومية.لكن السؤال السياسي والاقتصادي يبقى: ما حجم الالتزامات السعودية إذا نظرنا إلى الصورة المالية الأوسع؟ الحكومة تقترض، والصندوق السيادي يستخدم أدوات التمويل، والشركات الكبرى تقترض، وهناك شركات ومؤسسات مرتبطة بالدولة، لكن كل هذه الالتزامات ليست بالضرورة دينًا حكوميًا مباشرًا، ولا يجوز جمعها اعتباطًا في رقم واحد.
ومع ذلك، المواطن يريد أن يعرف الصورة الكاملة.من دولة ممولة بالنفط إلى دولة تمول حاضرها بالدين؟في البداية كان الاقتراض قرارًا ماليًا محسوبًا، ثم أصبح أداة متكررة.ثم أصبح جزءًا من تمويل المشاريع.
وهنا أخطر سؤال:هل تستخدم السعودية النفط لبناء المستقبل، أم تستخدم مستقبل النفط لتمويل الحاضر؟إذا كان الاقتراض يذهب إلى أصول منتجة، ويخلق إيرادات مستدامة، ويقلل الاعتماد على النفط، فقد يكون له معنى اقتصادي.لكن إذا تحول الاقتراض إلى وسيلة لتغطية إنفاق متزايد دون عائد واضح، فهنا تبدأ المشكلة.
غدًا يذهب الحاكم، وتبقى الديون.
ونوهنا أقول شيئًا لا يخص محمد بن سلمان وحده.الحاكم يذهب، والدولة تبقى.أيًا كان الحاكم.وأيًا كانت الحكومة.وأيًا كان اسم ولي العهد.القروض التي تُوقَّع اليوم قد تسدد بعد سنوات طويلة.والأجيال التي ستدفع كلفة هذه القرارات ليست هي التي اتخذتها.وهذا هو معنى المسؤولية التاريخية.
أموال النفط… والحرب… والترفيه.
لقد دخلت السعودية في مشاريع ضخمة، وأنفقت مليارات في الرياضة والترفيه والمشاريع العملاقة.لكن لا يجوز أن نكرر أرقامًا غير موثقة ونقول إن مبلغًا محددًا «احترق» دون مستند.السؤال الأقوى هو: ما العائد؟ كم جنى المشروع؟. كم إيرادًا أنتج؟ كم كلف الدولة؟ وكم سيكلفها بعد عشر سنوات؟ وهذا السؤال ينطبق على كل شيء: المشاريع العملاقة…الرياضة…الجولف…الألعاب الإلكترونية. .الحفلات، والحربوالجولف …مثال لا يمكن تجاهله.. في سبتمبر 2026 دخل دوري LIV Golf، المدعوم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، إجراءات الحماية من الإفلاس بموجب الفصل 11 في الولايات المتحدة، بحسب تقارير رويترز، بعد أن ضخ الصندوق مليارات الدولارات في المشروع منذ تأسيسه.
وهنا لا أقول إن الاستثمار الرياضي كله فاشل.لكن أقول:عندما تُنفق مليارات في مشروع ثم يصل إلى إعادة هيكلة مالية، فإن السؤال عن العائد والجدوى يصبح واجبًا.من يدفع الفاتورة؟هذه هي القضية كلها.ليس المهم أن نختلف مع محمد بن سلمان أو نتفق معه.
المهم: من يدفع الفاتورة؟ إذا زادت الديون، سيدفعها الاقتصاد، إذا طالت الحرب، سيدفعها الاقتصاد، إذا تضررت منشآت النفط، سيدفعها الاقتصاد، إذا فشلت مشاريع، سيدفعها الاقتصاد.
وفي النهاية: المواطن والأجيال القادمة هم الذين يعيشون داخل نتيجة هذه القرارات.
الخاتمة: الكعبة أولًا… ثم كل شيءالكعبة ليست ورقة سياسية، وكسوة الكعبة ليست هدية شخصية، ومكة ليست ميدانًا لإشعال الطائفية، والنفط ليس مالًا بلا نهاية، والديون ليست أرقامًا على الورق.والحرب ليست لعبة، والحاكم ليس خالدًا، الدولة هي التي تبقى.
ولهذا فإنني أقول:إذا كانت هناك حقيقة بشأن كسوة الكعبة، فأعلنوها.إذا كانت هناك وثائق، فافتحوها.إذا كان هناك استهداف لمكة، فقدموا الدليل، وإذا لم يكن هناك دليل، فلا تجعلوا الخوف على الكعبة وقودًا لحرب طائفية، ثم عودوا إلى السؤال الأكبر:أين ذهبت ثروة السعودية؟ ولماذا يصبح النفط الذي تحت الأرض ضمانة للاقتراض؟ ومن سيدفع الديون إذا تغيرت أسعار النفط أو تغيرت الحكومات أو تغيرت الظروف؟.
وأخيرًا: إلى أين تأخذ هذه السياسات المملكة العربية السعودية؟التاريخ لا يحاكم الحاكم بالكلمات…التاريخ يحاكمه بما تركه وراءه، أما الكعبة، فستبقى فوق السياسة.وستبقى قبلة المسلمين جميعًا
وفي النهاية.. إلى محمد بن سلمان: ماذا بعد أن وصلت بلاد الحرمين إلى هذا المأزق؟ إلى محمد بن سلمان، السؤال اليوم لم يعد: ماذا قيل لكم من واشنطن أو لندن؟ ولا ماذا وُعدتم به خلف الأبواب المغلقة؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا ستفعل بعدما اكتشفت أن وعود الدول الكبرى لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحسابات الوطنية؟.
لقد قيل الكثير عن الدعم الأمريكي والبريطاني، وعن مواقف مصر وتركيا، وعن حسابات إسرائيل، لكن السياسة لا تُدار بالأمنيات، والدول لا تحمي مصالحها بالوعود، وإنما بالقرارات المستقلة والحسابات الدقيقة.
ومن هنا أسأل: من المستفيد من أن تجد المملكة العربية السعودية نفسها في هذا المأزق؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي قد تضع بلاد الحرمين أمام خيارات لم تكن تريدها؟ وهل سيكون الحل بالذهاب إلى مزيد من التنازلات، وصولًا إلى تطبيع مع إسرائيل مهما كانت كلفته السياسية والشعبية؟ أم أن اللحظة قد حانت لمراجعة الطريق كله، وإعادة ترتيب الأولويات على أساس مصلحة السعودية أولًا؟أنا لا أكتب هذه الكلمات شماتة في المملكة، ولا رغبة في إضعافها، بل لأنني أرى أن السعودية أكبر من أن تُترك رهينة لحسابات الآخرين. بلاد الحرمين ليست ورقة في لعبة دولية، وشعبها لا ينبغي أن يدفع ثمن رهانات سياسية لم يشارك في صنعها.
يا محمد بن سلمان، التاريخ لا يسأل فقط ماذا وعدك الآخرون، بل يسأل ماذا فعلت أنت عندما اكتشفت أن مصالح الدول لا تُبنى على الوعو، .فإن كانت بعض القرارات قد أوقعت المملكة في مأزق، فإن الشجاعة الحقيقية ليست في المكابرة أو الاستمرار في الطريق نفسه، وإنما في مراجعة الحسابات قبل أن يصبح ثمن الخطأ أكبر من قدرة الوطن على تحمله.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام القيادة السعودية: هل تستمر المملكة في دفع ثمن حسابات الآخرين، أم تستعيد قرارها بالكامل، وتضع مصلحة الوطن وبلاد الحرمين فوق كل وعود وتحالفات وصفقات


