رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: ملك في كوكب آخر…والشعب في انتظار من يسمع صوته

الملك ينفذ ما يتلى عليه من قررات، ويضرب كل شيء عرض الحائط، ولا يهمه تزوير الاتنخابات، أو كيف وصل حزب الأصالة والمعاصرة وحصد كل هذه المقاعد… الشعب آخر شيء عنده… شعبي العزيز، لأن كل هذا هو المطلوب بالأمر هناك داخل القصر… اللوبي المغربي الصهيوني أكثر فازعه من الصهاينة الإسرائليون، وبالفعل كانت مسرحية منهم بالمشاركة مع وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، المخرج المسرحي في تزوير واضح امام أعين الشعب المغربي، مع نسبه حضور 38% من الشعب المغربي، وهذا ليس بجديد في المغرب… كل اللعبة من داخل القصر. فقط هي الشكليات والبرتوكول أمام الشعب، وامام العالم والدايمقراطية الوهمية… لا ديمقراطية… إنها الخدعة، والشعب يتحرك كالشطرنج أو كمثل الدمية.
هكذا يبدو المشهد المغربي اليوم، بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، في خطوة فتحت أبوابًا واسعة من الأسئلة حول الانتخابات، وصناديق الاقتراع، ومن صنع النتيجة التي أوصلت إلى هذا التعيين…
أنا لا أتحدث هنا عن امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة فحسب، ولا عن كونها أول امرأة تتولى هذا المنصب؛ وإنما أتحدث عن المسار السياسي الذي سبق لحظة التعيين: من الانتخابات، إلى النتائج، إلى الصناديق، ثم إلى القرار الملكي بتكليف زعيمة الحزب المتصدر بتشكيل الحكومة.والسؤال الذي لا يستطيع أحد دفنه بالصمت هو: هل كانت صناديق الاقتراع هي التي صنعت الطريق إلى رئاسة الحكومة، أم أن هناك من صنع المشهد السياسي أولًا ثم جاءت الصناديق لتعلن النتيجة؟ أما الملك، ففي رأيي، فإن أخطر ما في المشهد أن المسافة بين القصر والشارع أصبحت تبدو شاسعة إلى درجة تجعل المواطن يتساءل: من ينقل الحقيقة إلى الملك؟ ومن يضع أمامه صورة المغرب كما هي، لا كما يريدها أصحاب المصالح والدوائر المحيطة؟فإذا كان الشعب يقول شيئًا، والصناديق تقول شيئًا، ثم تأتي النتيجة السياسية في اتجاه آخر، فالقضية لم تعد قضية فاطمة الزهراء المنصوري وحدها، بل قضية من يصنع القرار السياسي في المغرب، ومن يتحمل مسؤولية ما يترتب عليه أمام الشعب والتاريخ.ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل وصلت فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة بقوة الصندوق وحده، أم أن وراء الصندوق قصة سياسية لم تُكشف كل تفاصيلها بعد.

الملك المغربي في كوكب آخر… بعيدًا عن الشعب والحقيقة
فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة… من صنع المشهد
من طنجة إلى صناديق الاقتراع
الآن تخرج إلى الساحة قضية طنجة، وما أثير حول صناديق الاقتراع، لتفتح من جديد جرحًا سياسيًا لا يمكن إغلاقه بالصمت، فإذا كانت هناك وقائع وشكاوى وتحقيقات مرتبطة بما جرى في العملية الانتخابية، فإن المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة أمام المغاربة، لكن القضية أكبر من طنجة…القضية هي: هل كانت صناديق الاقتراع هي التي صنعت الطريق إلى رئاسة الحكومة، أم أن هناك من صنع المشهد السياسي أولًا ثم جاءت الصناديق لتعلن النتيجة؟.
في 23 سبتمبر جرت الانتخابات التشريعية، ثم تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدًا، وفي 29 سبتمبر عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، وهنا تبدأ الأسئلة.الملك في كوكب آخر؟…أقولها كما أرى المشهد: المشكلة ليست في المرض، وإنما في الابتعاد عن الواقع.أحيانًا يبدو الملك وكأنه يعيش في كوكب آخر، في وادٍ آخر، بعيدًا عن الشارع المغربي، بينما تصل إليه المعلومات من خلال دوائر محيطة به. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: من ينقل الحقيقة إلى الملك؟ ومن يقرر ما الذي يسمعه وما الذي لا يسمعه؟….إذا كان الشعب يقول شيئًا، والصناديق تقول شيئًا، ثم تأتي النتيجة السياسية في اتجاه آخر، فإن القضية لا تعود قضية فاطمة الزهراء المنصوري وحدها، بل تصبح قضية نظام سياسي كامل، وقضية ثقة بين المواطن والدولة.فالملك لا يحتاج إلى الطبول والتصفيق.الملك يحتاج إلى الحقيقة، ويحتاج إلى أن يسمع المواطن مباشرة، لا أن يسمع فقط من الدوائر المحيطة به وأصحاب المصالح.
فاطمة الزهراء المنصوري… من الصندوق إلى القصر
أنا لا أتحدث هنا عن امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة فحسب، ولا عن كونها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب…أنا أتحدث عن المسار السياسي الذي سبق لحظة التعيين.كيف تصدّر حزبها الانتخابات؟ كيف جرت العملية الانتخابية؟ماذا حدث في مكاتب الاقتراع؟ وماذا عن الشكاوى والطعون؟ وماذا عن قضية طنجة وما أثير حول أوراق وصناديق الاقتراع؟ إذا كانت العملية الانتخابية سليمة، فليظهر ذلك بالوثائق والمحاضر والطعون وقرارات القضاء.وإذا ثبت وجود تجاوزات، فليحاسب المسؤول عنها…لا أحد فوق الصندوق، ولا أحد يجب أن يكون فوق القانون.

هل كان المشهد الانتخابي مسرحية؟
هنا أصل إلى السؤال الذي قد يزعج كثيرين: هل أصبح المشهد السياسي والانتخابي في المغرب في نظر جزء من المواطنين، مشهدًا مدروسًا ومسرحية سياسية، بينما تُدار تفاصيل أخرى خلف الكواليس؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالشعارات، إما أن توجد أدلة، وإما أن تسقط الاتهامات…ولهذا أقول إن فتح المحاضر والوثائق والتحقيقات أمام الجهات المختصة والرأي العام هو الطريق الوحيد لإنهاء الشكوك، أما اتهام القصر أو وزارة الداخلية بتزوير الانتخابات لصالح فاطمة الزهراء المنصوري، فهو اتهام سياسي خطير يحتاج إلى إثبات قضائي ووثائق مستقلة، لكن حق الصحافة في طرح السؤال لا يسقط.
اللوبيات والتطبيع والسيادة
لقد تحدثتُ في هذا المقال عن «لوبي صهيوني» وعن مستشارين يعملون من خلف الكواليس، وأقول بوضوح: هذه اتهامات لا يجوز تحويلها إلى حقائق ثابتة من دون أدلة، لكن من حق المواطن المغربي أن يسأل عن طبيعة العلاقات الخارجية، وعن حدود النفوذ الاقتصادي والسياسي، وعن الاتفاقيات والمصالح التي يمكن أن يكون لها تأثير على القرار الوطني.
التطبيع مع إسرائيل ملف سياسي كبير، ومن حق المغاربة مناقشة نتائجه وآثاره وحدوده، كما من حقهم معرفة تفاصيل أي قرارات أو اتفاقيات مرتبطة به.أما القول إن فاطمة الزهراء المنصوري «مرشحة إسرائيل»، أو أنها وصلت إلى رئاسة الحكومة بتدخل لوبي خارجي، فهو موقف واتهام سياسي يحتاج إلى دليل مستقل حتى يصبح حقيقة قابلة للإثبات…الاتهامات الشخصية وردت في الخطاب السياسي والإعلامي، اتهامات تتعلق بالمخدرات وتعاطي الكوكايين والفساد.، هنا يجب أن يكون الموقف واضحًا: لا يجوز أن يتحول الاتهام إلى إدانة من دون تحقيق وقضاء، إذا كانت هناك ملفات أو أدلة، فلتذهب إلى القضاء، وإذا لم توجد أدلة، فلا ينبغي أن تتحول الإشاعات إلى حقائق تُبنى عليها أحكام سياسية، والأمر نفسه ينطبق على اتهامات بعض البرلمانيين بالاتجار في المخدرات، أو توزيع الأموال لشراء النفوذ والأصوات،..إن كانت هناك وقائع مثبتة، فليحاسب أصحابها.
الثروة… والسؤال الذي لا يموت
وهناك سؤال آخر لا يمكن دفنه: من أين جاءت الثروات المرتبطة بالحكم والأسرة الملكية؟ هذا السؤال يجب أن يُطرح في إطار الشفافية والمعلومات الموثقة، لا في إطار الاتهام المجرد…المواطن يريد أن يعرف كيف تُدار الثروات والمصالح المرتبطة بالاقتصاد الوطني، وما هي قواعد تضارب المصالح، وما هي آليات الرقابة والمحاسبة، فالشفافية ليست إهانة للملك، بل هي حماية للدولة…الشعب ليس القصر…المغرب ليس القصر وحده، والمغرب ليس الحكومة وحدها…والمغرب ليس الأحزاب وحدها…المغرب هو الشعب، والشعب المغربي الذي تحمل أعباء سبعين عامًا من الاستقلال يريد أن يرى دولة تحترم صوته، وتحمي ماله العام، وتفتح المجال أمام المحاسبة، ولا تجعل السياسة حكرًا على دائرة مغلقة.
إذا شعر المواطن أن القرار السياسي يُصنع بعيدًا عنه، وأن الانتخابات لا تغير شيئًا، وأن أصحاب النفوذ هم وحدهم القادرون على الوصول إلى السلطة والثروة، فإن الثقة السياسية ستتآكل.وهنا يبدأ ما أسميه طوفان الأسئلة.ليس طوفان العنف أو الفوضى، بل طوفان المواطنين الذين يسألون:من يحكم؟من يقرر؟من يراقب؟ومن يحاسب؟وفي النهاية…أنا لا أكتب هذا المقال دفاعًا عن حزب، ولا هجومًا على حزب.ولا أكتب ضد امرأة لأنها امرأة.القضية ليست جنس رئيس الحكومة.القضية هي كيف وصلت إلى المنصب، وما مدى نزاهة الطريق الذي أوصلها إليه.
إذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري قد وصلت إلى رئاسة الحكومة بإرادة الناخبين، فلتظهر الحقيقة كاملة من الصناديق والمحاضر والنتائج والطعون، وإذا ثبت وجود تزوير أو شراء أصوات أو تدخل غير قانوني، فليحاسب المسؤولون عنه، مهما كان اسمهم أو موقعهم، أما الملك، فموقعه يجعله أكثر حاجة إلى سماع الحقيقة، لا يحتاج الملك إلى من يصفق له، يحتاج إلى من يقول له الحقيقة، والشعب المغربي لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه داخل القصر، الشعب يريد أن يتحدث بنفسه، ومن طنجة إلى الرباط، ومن الصندوق إلى القصر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل صنعت صناديق الاقتراع رئيسة الحكومة، أم أن المشهد السياسي سبق الصناديق؟ هذا السؤال لا تجيب عنه الطبول، تجيب عنه الوثائق.

عندما يصل الغضب إلى نقطة التحول
المغرب أمام لحظة لا يجوز الاستهانة بها، فالغضب الذي يتراكم في صدور الناس لا يمكن إلى الأبد إخفاؤه خلف الشعارات، ولا إسكاتُه بالطبول، ولا احتواؤه بالوعود، عندما يشعر المواطن أن صوته لا يُسمع، وأن القرار يُصنع بعيدًا عنه، وأن العدالة والشفافية أصبحتا مطلبًا مؤجلًا، فإن السؤال لم يعد: هل هناك غضب؟ بل يصبح: إلى أين يمكن أن يصل هذا الغضب؟.
إنني أحذر هنا من لحظة سياسية خطيرة:..لحظة يفقد فيها المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على الإصلاح، فيتحول الغضب من شكوى فردية إلى حالة اجتماعية واسعة تطالب بتغيير حقيقي، وهذه ليست دعوة إلى الفوضى، ولا إلى العنف، ولا إلى إسقاط الدولة…إنها دعوة إلى أن تسمع الدولة شعبها قبل أن تتسع المسافة بين الطرفين إلى درجة يصعب معها ترميم الثقة…الشعوب لا تنفجر من فراغ؛ الغضب يتراكم عندما تتراكم الأسئلة بلا إجابات.
ومن طنجة إلى باقي المدن المغربية، يبقى السؤال أمام أصحاب القرار واضحًا: هل ستُفتح أبواب الحقيقة والمحاسبة والإصلاح، أم سيستمر تجاهل الأصوات التي ترتفع من الشارع؟ لقد حان الوقت لكي يسمع القصر نبض المجتمع، ولكي تعرف الحكومة أن الشعب ليس رقمًا انتخابيًا، ولكي تدرك الأحزاب أن السلطة ليست غاية، وإنما مسؤولية، إذا كان هناك من يعتقد أن الغضب الشعبي يمكن أن يظل إلى الأبد تحت السيطرة بالصمت، فهو لا يقرأ التاريخ جيدًا، أما التغيير الذي يحتاجه المغرب، فيجب أن يكون تغييرًا يصنعه الوعي، والحوار، والقانون، وصندوق الاقتراع، والمحاسبة، لا العنف والفوضى.
وفي النهاية، سيبقى الشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة في مستقبل وطنه، وسيبقى السؤال معلقًا فوق الجميع:هل نصل إلى الإصلاح قبل أن يصل الغضب إلى نقطة التحول.
٢



