رئيس التحرير د. عزت الجمال يكتب: أخنوش والأحرار من السلطة إلى المعارضة…حين تتحول الثروة والسلطة إلى سؤال أمام الشعب

السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه: من كان وراء أخنوش؟إذا كان عزيز أخنوش قد دخل رئاسة الحكومة وهو أصلًا من كبار رجال الأعمال في المغرب، فإن السؤال الذي يحق للمغاربة طرحه اليوم ليس فقط: كم أصبحت ثروته؟ من كان يقف إلى جانب عزيز أخنوش وهو في قمة السلطة؟ومن الذي فتح أمامه أبواب النفوذ السياسي والاقتصادي؟هل كان الأمر مجرد نجاح لرجل أعمال دخل السياسة.
أما كان ورائه الملك محمد السادس أو مجموعة العصابة داخل القصر الملكي التي تدير البلاد؟ أم أن قربه من دوائر الحكم كان عاملًا أساسيًا في صعوده، وهنا يظهر السؤال الذي يجب ألا يخاف أحد من طرحه: كيف يستطيع رئيس حكومة ورجل أعمال صاحب مصالح ضخمة في قطاعات استراتيجية أن يفصل بصورة كاملة بين موقعه السياسي ومصالحه الاقتصادية؟.

والأخطر أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أشارت في تقييمها لعام 2026 إلى أن المغرب لديه إطار قانوني واسع لمكافحة تضارب المصالح، لكن تطبيق الممارسات المتعلقة به حصل على نسبة أقل بكثير من مستوى القواعد القانونية نفسها…إذن، أين المشكلة؟ هل المشكلة في أخنوش وحده؟ أم في النظام الذي سمح لرجل أعمال كبير بأن يصل إلى رئاسة الحكومة بينما تظل له مصالح اقتصادية واسعة؟ ومن يحاسب رئيس الحكومة عندما تتقاطع قرارات الدولة مع قطاعات توجد فيها مصالح اقتصادية مرتبطة به؟ وهنا أصل إلى السؤال الذي أعتبره أخطر سؤال في هذا الملف: هل كان عزيز أخنوش قويًا لأنه يملك المال فقط، أم لأن وراءه شبكة سياسية واقتصادية جعلت الوصول إلى السلطة أسهل وحماية المصالح أقوى؟ ومن هم أعضاء هذه الشبكة؟ ومن استفاد منها؟ ومن فتح الأبواب؟ ومن وقع القرارات؟ ومن استفاد من الصفقات؟ ومن استفاد منها؟ ومن فتح الأبواب؟ ومن وقع القرارات؟ ومن استفاد من الصفقات؟….هذه الآسئلة تعني اتهام للملك محمد السادس شخصيا، وأيضا إلى حاشيتها شخصية،وليست ملكًا لحزب، وليست ملكًا لمجموعة من المقربين.

الدولة ملك لمؤسساتها وشعبها، والمسؤولية السياسية يجب أن تكون واضحة، والمصالح الخاصة يجب أن تبقى منفصلة عن القرار العام…والآن، بعدما خرج أخنوش من موقعه السياسي السابق، وبعد أن تغيرت الخريطة الانتخابية، أصبح الوقت مناسبًا لفتح الملفات بدل إغلاقها.ليس المطلوب الانتقام من عزيز أخنوش.
المطلوب أن يعرف المغاربة:من كان معه؟ ومن ساعده؟وكيف تضاعفت مصالحه الاقتصادية والسياسية خلال سنوات السلطة؟ وهل كان ذلك كله نتيجة نجاح اقتصادي مشروع، أم أن هناك شبكة نفوذ تستحق أن تُفتح ملفاتها أمام المؤسسات المختصة؟ هذه ليست أسئلة صحفي يريد صناعة فضيحة…هذه أسئلة مواطن يريد أن يعرف أين تنتهي الدولة وأين تبدأ مصالح رجال الأعمال، وإذا كانت كل الملفات سليمة، فلتُفتح الوثائق أمام الشعب٠
أخنوش من السلطة إلى الثروة… من كان يقف خلف الرجل؟ ومن فتح له أبواب النفوذ
لم يكن سقوط التجمع الوطني للأحرار من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية المغربية مجرد تغيير في ترتيب الأحزاب…الأرقام قالت شيئًا آخر…الحزب الذي تصدر انتخابات 2021 بـ102 مقعدًا انتهى في انتخابات 23 سبتمبر 2026 بـ66 مقعدًا فقط، بينما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا. أي أن الأحرار خسروا 36 مقعدًا مقارنة بالانتخابات السابقة. (Maroc)، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ماذا حدث للحزب الذي دخل الحكومة بقوة؟وماذا حدث للوعود؟وماذا حدث للثقة التي منحه إياها الناخب المغربي؟والأهم من ذلك كله: هل كان عزيز أخنوش رئيس حكومة فقط، أم أن الجمع بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية الضخمة كان أحد أكبر الأسئلة التي طاردت تجربته السياسية؟أخنوش… رجل الدولة ورجل الأعمالعزيز أخنوش ليس سياسيًا فقط.فهو رجل أعمال ومرتبط بمجموعة «أكوا»، التي تنشط في قطاعات متعددة، ومن أبرز شركاتها «أفريقيا» لتوزيع المحروقات.
وتؤكد بيانات الهيئة المغربية لسوق الرساميل أن «أفريقيا غاز» ترتبط بمساهمين من بينهم «أفريقيا إس إم دي سي» و«أكوا غروب»، كما يظهر أفراد من عائلة أخنوش ضمن تركيبة مجلس الإدارة. (AMMC)، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن لرجل أعمال يمتلك مصالح اقتصادية كبيرة أن يدير حكومة تتخذ قرارات تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قطاعات اقتصادية تعمل فيها شركات مرتبطة به؟ هذا السؤال لا يعني تلقائيًا وجود مخالفة قانونية، لكنه سؤال سياسي وأخلاقي مشروع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطاعات تمس الحياة اليومية للمواطن، وعلى رأسها المحروقات.المحروقات… الملف الذي لا يمكن دفنهفي سنة 2023، فرض مجلس المنافسة المغربي تسوية مالية إجمالية قدرها 1.84 مليار درهم على تسع شركات عاملة في سوق المحروقات، على خلفية مؤاخذات مرتبطة بممارسات منافية للمنافسة، مع التزامات سلوكية لتحسين احترام قواعد المنافسة.
وكانت «أفريقيا» ضمن الشركات المعنية. (SNRT News) هذه ليست إشاعة سياسية…إنها واقعة موثقة بقرار من مؤسسة رسمية، وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:كيف يشعر المواطن عندما يدفع ثمن الوقود، ثم يرى في الوقت نفسه أن رئيس الحكومة مرتبط بأكبر الأسماء الاقتصادية في هذا القطاع؟حتى لو لم تثبت مسؤولية شخصية لرئيس الحكومة عن أي مخالفة، فإن تضارب المصالح المحتمل أو حتى مجرد مظهر تضارب المصالح يصبح قضية سياسية لا يجوز تجاهلها.المغرب الأخضر… من حلم التنمية إلى أزمة الماء؟ هنا نصل إلى ملف آخر شديد الحساسية.مخطط المغرب الأخضر انطلق سنة 2008 باعتباره استراتيجية وطنية لتطوير الزراعة وزيادة الإنتاج والصادرات وتحسين دخل الفلاحين. وكان عزيز أخنوش وزيرًا للفلاحة خلال الفترة من 2007 إلى 2021، أي أنه كان المسؤول الحكومي الأبرز عن قطاع الفلاحة خلال جزء كبير من فترة تنفيذ المخطط (الوكالة الوطنية للتكنولوجيا).
لايمكن إذن أن نكتب التاريخ وكأن أخنوش لم يكن موجودًا في هذا الملف، لكن لا يمكن أيضًا أن ننسب إليه وحده إنشاء مخطط المغرب الأخضر؛ فالخطة أطلقت رسميًا في عهد الملك محمد السادس (الوكالة الوطنية للتكنولوجيا) المشكلة التي يجب أن تناقش اليوم هي شيء آخر: هل كانت السياسة الزراعية خلال تلك المرحلة متناسبة دائمًا مع الموارد المائية المحدودة للمغرب؟ هذا سؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع اشتداد الجفاف وندرة المياه.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن المغرب يواجه تحديات متزايدة في التنسيق بين السياسات الزراعية والمائية في ظل ندرة الموارد المائية، فيما تؤكد المؤسسات المغربية نفسها أن الأمن المائي أصبح تحديًا استراتيجيًا. (FAOHome) أما الأفوكادو، فهو مثال مهم على هذا النقاش، لكنه ليس من الدقة تحميله وحده مسؤولية أزمة الماء.المشكلة أكبر من محصول واحد. إنها مشكلة اختيارات زراعية، ومياه جوفية، وجفاف، وتصدير، وسياسات دعم، وتوزيع للموارد المائية.وهنا يجب أن يُسأل المسؤول:هل كان المغرب يزرع ما يحتاجه المغاربة، أم ما يحتاجه السوق الخارجي؟المواطن دفع الثمنبينما كانت الأرقام الاقتصادية تتحرك، كان المواطن المغربي يواجه ارتفاع تكاليف الحياة الغذاء…السكن…الخدما والشغل.
وفي المقابل، كانت الحكومة تتحدث عن الإصلاحات والبرامج والمشاريع.لكن السياسة في النهاية ليست مؤتمرات صحفية…السياسة هي أن يشعر المواطن بأن حياته تحسنت، وإذا لم يشعر المواطن بذلك، فإن صندوق الاقتراع يصبح المكان الذي يرسل فيه رسالته، الرسالة وصلت إلى أخنوش.

نتائج انتخابات 2026 لا تحتاج إلى تفسير طويل.التجمع الوطني للأحرار انتقل من 102 مقعد إلى 66 مقعدًا، وحزب الأصالة والمعاصرة تصدر بـ97 مقعدًا. (Maroc)هذه أرقام رسمية، أما تفسيرها السياسي، فهو موضوع مفتوح للنقاش، لكن من الصعب تجاهل أن الحزب الذي قاد الحكومة خلال السنوات الماضية لم يحافظ على موقعه الانتخابي السابق، وهنا لا يستطيع أحد أن يقول إن كل شيء بقي كما كان، لقد تغيرت الخريطة، وتغيرت موازين القوة، وتغير موقع أخنوش نفسه، من رئاسة الحكومة إلى المعارضة؟ إذا انتهى المطاف بالتجمع الوطني للأحرار خارج الحكومة المقبلة، فسيكون ذلك تحولًا سياسيًا كبيرًا.الرجل الذي جلس في رئاسة الحكومة سيعود إلى مقاعد المعارضة.والحزب الذي امتلك القرار التنفيذي سيصبح مطالبًا بمراقبة الحكومة التي ستأتي بعده، وهذه ليست نهاية الحزب، لكنها لحظة حساب سياسي، فالحزب الذي يحكم يتحمل مسؤولية قراراته، والحزب الذي يذهب إلى المعارضة يصبح مطالبًا بأن يقدم للمغاربة تفسيرًا واضحًا لما حدث.والملك؟هنا يجب أن نكون أكثر دقة.القول إن أخنوش «حكم باسم الملك» أو أن كل قرارات الحكومة كانت أوامر ملكية يحتاج إلى إثبات محدد لكل واقعة، لكن الدستور المغربي يجعل الملك جزءًا مركزيًا من النظام السياسي، ورئيس الحكومة يمارس اختصاصاته الدستورية داخل هذا النظام، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس اختراع صراع بين الملك والحكومة، وإنما: أين تبدأ مسؤولية رئيس الحكومة وأين تنتهي؟ وإذا كان رئيس الحكومة يمتلك صلاحيات دستورية، فعليه أن يتحمل المسؤولية السياسية عن السياسات التي تقع ضمن اختصاص حكومته.لا يمكن أن تكون كل النجاحات للحكومة، وكل الإخفاقات لشخص آخر.الأحرار خسروا أكثر من مقاعد المشكلة بالنسبة للأحرار ليست فقط 36 مقعدًا. المشكلة هي الثقة.فالمواطن عندما يصوت لحزب، فهو لا يعطيه ورقة فقط.إنه يعطيه ثقة، وعندما تتراجع نتائج الحزب بهذه الصورة، فمن حق قيادته أن تتوقف وتسأل: أين أخطأنا؟ أين فقدنا المواطن؟ لماذا لم يعد الخطاب الحكومي مقنعًا؟ وهل أصبحت المسافة بين الحزب والشارع أكبر من اللازم؟ هذه الأسئلة لا يمكن الهروب منها.
المغرب لا يحتاج حكومة تخاف من الشعب…المغرب اليوم أمام مرحلة سياسية جديدة، جيل جديد يريد أن يرى دولة أكثر شفافية، وحكومة أكثر قربًا من المواطن، وأحزابًا لا تختبئ خلف الشعارات…لا يريد المواطن أن يسمع فقط عن الاستثمارات والمشاريع الكبرى…يريد أن يعرف ماذا سيحدث لراتبه، ولماذا يدفع أكثر.ولماذا يجد الشاب نفسه أمام البطالة، ولماذا أصبحت المياه قضية وطنية كبرى، ولماذا يشعر المواطن أحيانًا أن الدولة أقرب إلى المستثمر الكبير من المواطن البسيط، وهنا يجب أن تتوقف الأحزاب عند سؤال واحد.

هل نحن نخدم الدولة والمواطن، أم أصبح المواطن يخدم منظومة سياسية واقتصادية لا يفهم كيف تعمل؟الخاتمة: الصندوق قال كلمتهلقد انتهى زمن كان فيه الحزب يستطيع أن يعيش طويلًا على الشعارات.الصندوق قال كلمته.التجمع الوطني للأحرار كان في المرتبة الأولى، وأصبح في المرتبة الثانية.كان لديه 102 مقعد، وأصبح لديه 66.
هذه ليست ثورة سياسية بالمعنى الدستوري، لكنها بالتأكيد إشارة انتخابية قوية إلى أن الخريطة السياسية المغربية تغيرت. (Maroc)أما الغضب الذي خرج إلى الشارع، فلا يمكن إسكاتُه بالخطابات، ولا يمكن مواجهة جيل جديد بالتجاهل، ولا يمكن أن تستمر السياسة بنفس الأدوات القديمة في بلد يتغير بسرعة.
عزيز أخنوش أمام مرحلة جديدة، وحزب التجمع الوطني للأحرار أمام امتحان أصعب: هل يستطيع أن يتحول من حزب السلطة إلى حزب المعارضة، وأن يقنع المغاربة بأنه تعلم من أخطاء المرحلة الماضية؟ أما الشعب المغربي، فقد بدأ يطرح السؤال الأكبر: إذا كانت السلطة والثروة والسياسة قد اجتمعت في يد واحدة أو داخل شبكة واحدة من المصالح، فمن يراقب من؟ ومن يحاسب من؟ ومن يحمي المواطن؟ وهذه ليست قضية عزيز أخنوش وحده.هذه قضية دولة…وقضية ثقة…وقضية مستقبل المغرب…والتاريخ السياسي لا يرحم الأحزاب التي لا تسمع صوت الشارع، فحين يفقد المواطن ثقته، لا يحتاج إلى رفع صوته كثيرًا… يكفي أن يذهب إلى صندوق الاقتراع.


